وبعدُ، ففي معارضته بحديث يونس بن جبير «أنه طلقها تطليقة» كلامٌ ليس هذا موضعه، فإنّ مَن جعل الثلاثَ واحدةً قال: هي ثلاث في اللفظ، وهي واحدة في الحُكْم، على ما في حديث أبي الصهباء عن ابن عباس١. والله أعلم.
قالوا: وأما قولكم: إن نافعًا أثْبَت في ابن عمر وأولى به من أبي الزبير وأخصّ، فروايته أولى أن نأخذ بها، فهذا إنما يُحْتاج إليه عند التعارض، فكيف ولا تعارض بينهما؟ فإن رواية أبي الزبير صريحة في أنها لم تُحْسَب عليه، وأما نافع فرواياته ليس فيها شيء صريح قطّ أن النبيَّ ﷺ حَسَبها عليه، بل مرَّة قال: «فمَهْ» أي فما يكون؟ وهذا ليس بإخبارٍ عن النبيِّ ﷺ أنه حسبها. ومرة قال: «أرأيتَ إن عَجَز واسْتَحْمق؟»٢ وهذا رأيٌ محض، ومعناه: أنه
(١) أخرجه مسلم (١٤٧٢/ ١٦).
(٢) أخرجه البخاري (٥٢٥٨)، ومسلم (١٤٧١/ ٧).
رَكِب خُطّةَ عجز واستحمق، [ق ٩٤] أي: ركب أحموقةً وجهالةً، فطلَّق في زمنٍ لم يُؤذَن له في الطلاق فيه.
ومعلومٌ أنه لو كان عند ابن عمر أنه ﷺ حَسَبها عليه لم يحتج أن يقول للسائل: «أرأيتَ إن عَجَز واستحمق؟»، فإن هذا ليس بدليل على وقوع الطلاق، فإنّ من عَجَز واستحمق يُرَدّ إلى العلم والسنة التي سنها رسول الله ﷺ، فكيف يُظَنّ بابن عمر أنه يكتم نصًّا عن رسول الله ﷺ في الاعتداد بتلك الطلقة، ثم يحتجّ بقوله: «أرأيتَ إن عَجَز واستحمق»؟! وقد سأله مرةً رجلٌ عن شيء فأجابه بالنصّ، فقال السائل: أرأيتَ إن كان كذا وكذا؟ قال: «اجعل أرأيتَ باليمن»١، ومرة قال: «تُحْسَب من طلاقها»، وهذا قول نافع ليس قول ابن عمر، كذلك جاء مصرَّحًا به في هذا الحديث في «الصحيحين»٢ قال عبد الله لنافع: «ما فعَلَتِ التطليقةُ؟ قال: واحدة أعتدّ بها». وفي بعض ألفاظه: «فحُسِبَت بتطليقة»، وفي لفظ للبخاري٣ عن سعيد بن جُبير، عن ابن عمر: «فحُسِبت عليَّ بتطليقة».
ولكن هذه اللفظة انفرد بها سعيد بن جُبير عنه، وخالفه نافعٌ وأنسُ بن سيرين ويونس بن جُبير وسائر الرواة عن ابن عمر٤، فلم يذكروا:
(١) أخرجه البخاري (١٦١١)، والترمذي (٨٦١)، والنسائي (٢٩٤٦)، وأحمد (٦٣٩٦) من حديث ابن عمر ﵄.