تهذيب السنن

الناسَ بذلك، كإلزامه لهم بهذا، وأدَّاه اجتهادُه ﵁ إلى أن ذلك كان تخفيفًا ورفقًا بالأمة، لقلّة إيقاعهم الطلاقَ وعدم تتايُعهم فيه، فلما أكثروا منه وتتايعوا فيه ألزمهم بما التزموه.

وهذا كما أدّاه اجتهاده في الجَلْد في الخمر ثمانين١، وحَلْق الرأس فيه والنّفْي٢، والنبيُّ ﷺ إنما جَلَد فيه أربعين، ولم يحلق فيه رأسًا، ولم يغرِّب، فلما رأى الناسَ قد أكثروا منه، واستهانوا بالأربعين ضاعفها عليهم، وحَلَق ونَفَى. ولهذا نظائر كثيرة ستذكر في موضع آخر إن شاء الله.

قالوا: وتوهُّم مَن توهّم أنا خالفنا الإجماعَ في هذه المسألة غَلَط، فإن الخلاف فيها أشهر من أن يُجْحَد، وأظهر من أن يُسْتَر.

وإذا كانت المسألة من موارد النزاع فالواجب فيها امتثال ما أمر الله به ورسوله، مِن ردّ ما تنازع فيه العلماء إلى الله ورسوله، وتحكيم الله ورسوله دون تحكيم أحدٍ مِن الخَلْق، قال تعالى ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء:٥٩].

فهذه بعض كلمات المانعين من الوقوع، ولو استوفينا الكلامَ في المسألة لاحتملَتْ سِفرًا كبيرًا، فلنقتصر على فوائد الحديث.

قال المُوقِعُون: وفيه دليل على أن الرجعةَ يستقلُّ بها الزوج دون الوليِّ

  1. (١) أخرجه البخاري (٦٧٧٩) من حديث السائب بن يزيد، وأخرجه مسلم (١٧٠٦/ ٣٥) من حديث أنس بن مالك ﵁.
  2. (٢) حلق الرأس أخرجه عبد الرزاق: (٩/ ٢٣٢ - ٢٣٣). والنفي أخرجه عبد الرزاق أيضًا (٩/ ٢٣٠ - ٢٣١)، والنسائي (٥٦٧٦)، والبيهقي: (٨/ ٣٢١).
498

ورضا المرأة، لأنه جَعَل ذلك إليه دون غيره، ودلالة القرآن على هذا أظهر من هذه الدلالة، قال تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة:٢٢٨] فجعل الأزواجَ أحقَّ بالرجعة من المرأة والولي.

واختلفوا في قوله: «مُرْه فليراجعها» هل الأمر بالرجعة على الوجوب أو الاستحباب١؟

فقال الشافعي وأبو حنيفة والأوزاعي وابن أبي ليلى وسفيان الثوري وأحمدُ في إحدى الروايتين بل أشهرهما عنه: الأمر بالرجعة استحباب. قال بعضهم: لأن ابتداء النكاح إذا لم يكن واجبًا فاستدامته كذلك.

وقال مالك في الأشهر عنه، وداود وأحمد في الرواية الأخرى: الرجعة واجبة للأمر بها، ولأن الطلاقَ لمَّا كان محرّمًا في هذا الزمن كان بقاء النكاح واستدامته فيه واجبًا، وبهذا يبطل قولهم: إذا لم يجب ابتداء النكاح لم تجب استدامته، فإن الاستدامةَ هاهنا واجبة لأجل الوقت، فإنه لا يجوز فيه الطلاق.

قالوا: ولأن الرجعةَ إمساكٌ، بدليل قوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:٢٢٩] فالإمساك مراجعتها في العدة، والتسريح تركها حتى تنقضي عِدّتُها.

وإذا كانت الرجعة [ق ٩٥] إمساكًا، فلا ريب في وجوب إمساكها في زمن

  1. (١) ينظر للأقوال في المسألة: «التمهيد»: (١٥/ ٦٧)، و«بدائع الصنائع»: (٣/ ٩١)، و«الهداية»: (٢/ ٥٣٤ - ٥٣٥)، و«المغني»: (١٠/ ٣٢٨)، و«روضة الطالبين»: (٨/ ٤)، و«فتح الباري»: (٩/ ٣٤٨).
499

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي