تهذيب السنن

إمساكها في هذه الحال لجواز طلاقها فيه، فلا يجب عليه رجعتها فيه، إذ لو وجبت الرجعةُ في هذا الوقت لَحرُمَ الطلاقُ فيه.

وقوله ﷺ: «حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد ذلك وإن شاء طلق» قال البيهقي١: أكثر الروايات عن ابن عمر: «أن النبيَّ ﷺ أمره أن يراجعها حتى تطهر، ثم إن شاء طلَّقَ وإن شاء أمْسَك» فإن كانت الروايةُ عن سالم ونافع وابن دينار٢ في أمره بأن يراجعها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، محفوظة، فقد قال الشافعي: يحتمل أن يكون إنما أراد بذلك الاستبراء، أن يكون أن٣ يستبرئها بعد الحيضة التي طلَّقها فيها بطهرٍ تامّ، ثم حيض تامّ، ليكون تطليقها وهي تعلم عِدّتها أبالحمل هي أم بالحيض، أو ليكون تطليقها بعد علمه بالحمل، وهو غير جاهل ما صنع، أو يرغب فيمسك للحمل، أو ليكون إن كانت سألتِ الطلاقَ غيرَ حاملٍ أن تكفَّ عنه حاملًا. آخر كلامه.

وأكثر الروايات في حديث ابن عمر مصرِّحة بأنه إنما أذِنَ في طلاقها بعد أن تطهر من تلك الحيضة، ثم تحيض ثم تطهر، هكذا أخرجاه في «الصحيحين» من رواية نافع عنه٤، ومن رواية ابنه سالم عنه٥. وفي لفظٍ متفق عليه٦:

  1. (١) في «معرفة السنن والآثار»: (٥/ ٤٥٩ - ٤٦٠).
  2. (٢) رواية سالم ونافع في «الصحيحين»، ورواية ابن دينار في مسلم.
  3. (٣) «يكون أن» سقطت من ط. الفقي.
  4. (٤) أخرجه البخاري (٥٢٥١)، ومسلم (١٤٧١/ ١).
  5. (٥) أخرجه البخاري (٤٩٠٨)، ومسلم (١٤٧١/ ٤).
  6. (٦) أخرجه البخاري (٥٢٥١، ٧١٦٠)، ومسلم (١٤٧١) واللفظ له.
501

«ثم يمسكها حتى تطهُر، ثم تحيض عنده حيضةً أخرى، ثم يمهلها حتى تطهر من حيضها». وفي لفظ آخر متفق عليه١: «مُرْه فليراجعها حتى تحيض حيضة مستقبلةً سوى حيضتها التي طلقها فيها».

ففي تعدّد الحيض والطُّهْر ثلاثة ألفاظ محفوظة متفق عليها، من رواية ابنه سالم، ومولاه نافع، وعبد الله بن دينار٢ وغيرهم، والذين زادوا فقد٣ حفظوا ما لم يحفظه هؤلاء. ولو قُدِّر التعارض فالزائدون أكثرُ وأثبتُ في ابن عمر وأخصُّ به، فرواياتهم أولى، لأن نافعًا مولاه أعلمُ الناس بحديثه، وسالمٌ ابنه كذلك، وعبد الله بن دينار من أثبت الناس فيه وأرْوَاهم عنه، فكيف يُقدّم اختصار أبي الزبير ويونس بن جُبير على هؤلاء؟!

ومن العجب تعليل حديث أبي الزبير في ردِّها عليه من غير احتساب بالطلقة بمخالفة غيره له، ثم تقدَّم روايتُه التي سكت فيها عن تعدّد الحيض والطُّهْر على رواية نافع وابن دينار وسالم؟!

فالصواب الذي لا شكّ فيه أن هذه الرواية ثابتة محفوظة، ولذلك أخرجها أصحاب «الصحيحين».

واختلف في جواز طلاقها في الطُّهْر المتعقّب للحيضة التي طلَّق فيها على قولين٤ هما روايتان عن أحمد ومالك، أشهرهما عند أصحاب مالك:

  1. (١) أخرجه مسلم (١٤٧١/ ٤) ولم أرها في البخاري.
  2. (٢) أخرجها مسلم (١٤٧١/ ٦).
  3. (٣) في الطبعتين: «قد» خلاف الأصل و(هـ، ش).
  4. (٤) ينظر للمسألة: «التمهيد»: (١٥/ ٦٨)، و«المغني»: (١٠/ ٣٢٩ - ٣٣٠)، و«بدائع الصنائع»: (٣/ ٩١)، و«نهاية المطلب»: (١٤/ ٩ - ١١)، و«روضة الطالبين»: (٨/ ٤)، و«فتح الباري»: (٩/ ٣٤٩ - ٣٥٠).
502

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي