تهذيب السنن

«ثم يمسكها حتى تطهُر، ثم تحيض عنده حيضةً أخرى، ثم يمهلها حتى تطهر من حيضها». وفي لفظ آخر متفق عليه١: «مُرْه فليراجعها حتى تحيض حيضة مستقبلةً سوى حيضتها التي طلقها فيها».

ففي تعدّد الحيض والطُّهْر ثلاثة ألفاظ محفوظة متفق عليها، من رواية ابنه سالم، ومولاه نافع، وعبد الله بن دينار٢ وغيرهم، والذين زادوا فقد٣ حفظوا ما لم يحفظه هؤلاء. ولو قُدِّر التعارض فالزائدون أكثرُ وأثبتُ في ابن عمر وأخصُّ به، فرواياتهم أولى، لأن نافعًا مولاه أعلمُ الناس بحديثه، وسالمٌ ابنه كذلك، وعبد الله بن دينار من أثبت الناس فيه وأرْوَاهم عنه، فكيف يُقدّم اختصار أبي الزبير ويونس بن جُبير على هؤلاء؟!

ومن العجب تعليل حديث أبي الزبير في ردِّها عليه من غير احتساب بالطلقة بمخالفة غيره له، ثم تقدَّم روايتُه التي سكت فيها عن تعدّد الحيض والطُّهْر على رواية نافع وابن دينار وسالم؟!

فالصواب الذي لا شكّ فيه أن هذه الرواية ثابتة محفوظة، ولذلك أخرجها أصحاب «الصحيحين».

واختلف في جواز طلاقها في الطُّهْر المتعقّب للحيضة التي طلَّق فيها على قولين٤ هما روايتان عن أحمد ومالك، أشهرهما عند أصحاب مالك:

  1. (١) أخرجه مسلم (١٤٧١/ ٤) ولم أرها في البخاري.
  2. (٢) أخرجها مسلم (١٤٧١/ ٦).
  3. (٣) في الطبعتين: «قد» خلاف الأصل و(هـ، ش).
  4. (٤) ينظر للمسألة: «التمهيد»: (١٥/ ٦٨)، و«المغني»: (١٠/ ٣٢٩ - ٣٣٠)، و«بدائع الصنائع»: (٣/ ٩١)، و«نهاية المطلب»: (١٤/ ٩ - ١١)، و«روضة الطالبين»: (٨/ ٤)، و«فتح الباري»: (٩/ ٣٤٩ - ٣٥٠).
502

المنع حتى تحيض حيضةً مستقبلة سوى تلك الحيضة، ثم تَطْهُر كما أمر به النبيُّ ﷺ.

والثاني: يجوز طلاقُها في الطُّهْر المتعقّب لتلك الحيضة وهو قول الشافعي وأبي حنيفة، وأحمد في الرواية الأخرى.

ووجهه: أن التحريم إنما كان لأجل الحيض، فإذا طهرت زال موجِب التحريم، فجاز طلاقها في هذا الطهر كما يجوز في الطهر الذي بعده، وكما يجوز أيضًا طلاقها فيه لو لم يتقدّم طلاقٌ في الحيض، ولأنَّ في بعض طرق حديث ابنِ عمر في الصحيح: «ثم ليطلقها طاهرًا، أو حاملًا»١، وفي لفظ: «ثم ليطلقها طاهرًا من غير جماع في قُبُل عدتها»٢.

وفي لفظ: «فإذا طَهُرت فليطلِّقْها لِطُهْرها، قال: فراجعها ثم طلقها لطهرها»٣. وفي حديث أبي الزبير: «وقال: إذا طهرت فليطلِّق أو ليمسك»٤. وكلُّ هذه الألفاظ في «الصحيح».

وأما أصحاب القول الثاني فاحتجّوا بما تقدّم مِن أمره ﷺ بإمساكها حتى تحيض، ثم تطْهُر ثم تحيض، ثم تطهر. وقد تقدم.

قالوا: وحكمة ذلك من وجوه:

  1. (١) في «صحيح مسلم» (١٤٧١/ ٥).
  2. (٢) في «صحيح مسلم» (١٤٧١/ ٨).
  3. (٣) في «صحيح مسلم» (١٤٧١/ ١١). وفيه: «فراجعتها ثم طلقتها ...».
  4. (٤) أخرجه مسلم (١٤٧١/ ١٤).
503

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي