تهذيب السنن

المنع حتى تحيض حيضةً مستقبلة سوى تلك الحيضة، ثم تَطْهُر كما أمر به النبيُّ ﷺ.

والثاني: يجوز طلاقُها في الطُّهْر المتعقّب لتلك الحيضة وهو قول الشافعي وأبي حنيفة، وأحمد في الرواية الأخرى.

ووجهه: أن التحريم إنما كان لأجل الحيض، فإذا طهرت زال موجِب التحريم، فجاز طلاقها في هذا الطهر كما يجوز في الطهر الذي بعده، وكما يجوز أيضًا طلاقها فيه لو لم يتقدّم طلاقٌ في الحيض، ولأنَّ في بعض طرق حديث ابنِ عمر في الصحيح: «ثم ليطلقها طاهرًا، أو حاملًا»١، وفي لفظ: «ثم ليطلقها طاهرًا من غير جماع في قُبُل عدتها»٢.

وفي لفظ: «فإذا طَهُرت فليطلِّقْها لِطُهْرها، قال: فراجعها ثم طلقها لطهرها»٣. وفي حديث أبي الزبير: «وقال: إذا طهرت فليطلِّق أو ليمسك»٤. وكلُّ هذه الألفاظ في «الصحيح».

وأما أصحاب القول الثاني فاحتجّوا بما تقدّم مِن أمره ﷺ بإمساكها حتى تحيض، ثم تطْهُر ثم تحيض، ثم تطهر. وقد تقدم.

قالوا: وحكمة ذلك من وجوه:

  1. (١) في «صحيح مسلم» (١٤٧١/ ٥).
  2. (٢) في «صحيح مسلم» (١٤٧١/ ٨).
  3. (٣) في «صحيح مسلم» (١٤٧١/ ١١). وفيه: «فراجعتها ثم طلقتها ...».
  4. (٤) أخرجه مسلم (١٤٧١/ ١٤).
503

أحدها: أنه لو طلّقها عَقِبَ تلك الحيضة كان قد راجعها ليطلقها، وهذا عكس مقصود الرجعة، فإن الله سبحانه إنما شَرَع الرجعةَ لإمساك المرأة وإيوائها، ولَمّ شَعَث النكاح، وقَطْع سبب الفُرْقة، ولهذا سماه إمساكًا، فأمره الشارع [ق ٩٦] أن يمسكها في ذلك الطهر، وأن لا يطلِّقَ فيه حتى تحيض حيضةً أخرى، ثم تطهر، لتكون الرجعة للإمساك لا للطلاق.

قالوا: وقد أكَّدَ الشارعُ هذا المعنى، حتى إنه أمر في بعض طُرُق هذا الحديث بأن يمسّها في الطهر المتعقّب لتلك الحيضة، فإذا حاضت بعده وطَهُرت، فإن شاء طلّقها قبل أن يمسها، فإنه قال: «مُرْه فليراجعها، فإذا طهرت مسّها، حتى إذا طهرت أخرى، فإن شاء طلقها وإن شاء أمسكها».

ذكره ابنُ عبد البر١، وقال: الرجعةُ٢ لا تكاد تُعْلَم صحتُها إلا بالوطء، لأنه المبتغَى من النكاح، ولا يحصل الوطء إلا في الطهر، فإذا وطئها حَرُم طلاقها فيه حتى تحيض ثم تطهر، فاعتبرنا مظنة الوطء ومحلّه، ولم يجعله محلًا للطلاق.

الثاني: أن الطلاق حُرِّم في الحيض لتطويل العِدّة عليها، فلو طلّقها عقب الرجعة من غير وطء لم تكن قد استفادت بالرجعة فائدة، فإن تلك الحيضة التي طُلِّقت فيها لم تكن تُحْتَسب عليها من العِدّة، وإنما تَسْتقبِلُ العِدّة من الطهر التي٣ يليها، أو من الحيضة الأخرى على الاختلاف في الأقراء، فإذا طلَّقها عقب تلك الحيضة كانت في معنى مَن طُلّقت ثم راجعها

  1. (١) في «التمهيد»: (١٥/ ٥٣ - ٥٤). وينظر «الاستذكار»: (١٨/ ١٥).
  2. (٢) في «التمهيد»: «المراجعة».
  3. (٣) كذا في الأصل و(هـ، ش).
504

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي