منها ما يزول بنفس انقطاعه، كصحة الغسل والصوم، ووجوب الصلاة في ذمتها. ومنها ما لا يزول إلا بالغسل كحِلّ الوطء، وصحة الصلاة، وجواز اللُّبث في المسجد، وصحة الطواف، وقراءة القرآن على أحد الأقوال، فهل يقال: الطلاقُ من النوع الأول، أو من الثاني؟
ولمن رجَّح إباحَتَه قبل الغُسل أن يقول: الحائض إذا انقطع دمها صارت كالجنب، يحرُم عليها ما يحرُم منه، ويصح منها ما يصح منه. ومعلومٌ أن المرأة الجُنُب لا يحرم طلاقها.
ولمن رجَّح الثاني أن يجيب عن هذا بأنها لو كانت كالجُنُب لحلَّ وطؤها، ويحتجّ بما رواه النسائي في «سننه»١ من حديث المعتمر بن سليمان، قال: سمعت عُبيدَ الله، عن نافع، عن عبد الله: «أنه طلّقَ امرأتَه وهي حائض تطليقةً، فانطلق عمرُ فأخبر النبيَّ ﷺ بذلك، فقال النبيُّ ﷺ: «مُرْ عبدَ الله فليراجعها، فإذا [اغتسلت فليتركها حتى تحيض، فإذا] اغتسلت من حيضتها الأخرى فلا يمسّها حتى يطلقها، فإن شاء أن يمسكها فليمسكها، فإنها العِدّة التي أمَرَ الله أن تُطلَّقَ لها النساء». وهذا على شرط «الصحيحين»، وهو مفسِّر لقوله: «فإذا طهرت»، فيجب حَمْلُه [ق ٩٧] عليه.
وتمام هذه المسألة: أن العِدّة هل تنقضي بنفس انقطاع الدم وتنقطع الرجعة، أم لا تنقطع إلا بالغسل؟ وفيه خلاف بين السلف والخلف، يأتي في موضعه إن شاء الله تعالى٢.
(١) (٣٣٩٦)، وفي «الكبرى» (٥٥٥٩). وما بين المعقوفين مستدرك منها.
(٢) لم نجد هذا الموضع هنا في التجريد، ولعله مما لم يذكره المجرِّد.
وقوله ﷺ: «ثم ليطلقها طاهرًا قبل أن يمسّ» دليلٌ على أن طلاقها في الطُّهْر الذي مَسّ فيه ممنوعٌ منه، وهو طلاق بدعة، وهذا متفق عليه.
فلو طلق فيه، قالوا: لم يجب عليه رجعتها، قال ابن عبد البر١: أجمعوا على أن الرجعةَ لا تجب في هذه الصورة. وليس هذا الإجماع ثابتًا، وإن كان قد حكاه صاحب «المغني»٢ أيضًا، فإنَّ أحدَ الوجهين في مذهب أحمد وجوب الرجعة في هذا الطلاق، حكاه في «الرعاية»٣، وهو القياس، لأنه طلاق محرَّم، فتجب الرجعةُ فيه، كما تجب في الطلاق في زمن الحيض.
ولمن فَرَّق بينهما أن يقول: زمن الطُّهْر وقت للوطء وللطلاق، وزمن الحيض ليس وقتًا لواحد منهما، فظهر الفرق بينهما، فلا يلزم من الأمر بالرجعة في غير زمن الطلاق الأمر بها في زمنه.
ولكن هذا الفرق ضعيفٌ جدًّا، فإن زمن الطُّهْر متى اتصل به المَسِيْس صار كزمن الحيض في تحريم الطلاق سواء، ولا فرق بينهما، بل الفرق المؤثِّر بين الناس: أن المعنى الذي وجبت لأجله الرجعة إذا طلقها حائضًا منتفٍ في صورة الطلاق في الطهر الذي مَسَّها فيه، فإنها إنما حَرُم طلاقُها في
(١) في «التمهيد»: (١٥/ ٦٩) بنحوه.
(٢) (١٠/ ٣٢٩).
(٣) ينظر «الإنصاف»: (٨/ ٤٥٢). والرعاية لابن حمدان الحراني الحنبلي (٦٩٥) وهي صغرى وكبرى، وذكر ابن رجب وابن مفلح وابن بدران أنهما غير محررتين، وأشار ابن مفلح إلى عدم الاعتماد عليهما. ينظر «المدخل المفصّل»: (٢/ ٧٤٥ - ٧٤٦) لبكر أبو زيد.