تهذيب السنن

ذلك، وإنما أمَرَه بطلاقها طاهرًا قبل أن يمسَّها، وقد ذكرنا حِكْمة إمساكها في الطهر الأول.

وأما قوله: «والسنة أن يستقبلَ الطُّهْرَ فيطلِّق لكلِّ قُرْء» فهو حديث قد تكلَّم الناسُ فيه وأنكروه على عطاء الخراساني، فإنه انفرد بهذه اللفظة دون سائر الرواة.

قال البيهقي١: وأما الحديث الذي رواه عطاء الخراساني، عن ابن عمر في هذه القصة: أن النبي ﷺ قال: «السنة أن يستقبل الطُّهْر فيطلِّق لكلِّ قُرْء»، فإنه أتى في هذا الحديث بزيادات لم يُتابَع عليها، وهو ضعيف في الحديث لا يُقْبَل منه ما ينفرد به.

وأما حديث ابن مسعود فمع أنه موقوف عليه، فهو حديث يرويه أبو إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، واختُلِف على أبي إسحاق فيه، فقال الأعمش عنه كما تقدم، وقال سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص عنه: «طلاق السنة أن يطلِّقها طاهرًا من غير جماع»٢. ولعل هذا حديثان؛ والذي يدلّ عليه: أن الأعمش قال: سألتُ إبراهيم، فقال لي مثل ذلك. وبالجملة فهذا غايته أن يكون قول ابن مسعود وقد خالفه عليٌّ٣ وغيرُه.

وقد رُوي عن ابن مسعود روايتان: إحداهما: التفريق. والثانية: إفراد

  1. (١) في «معرفة السنن»: (١١/ ٣٥ - ط قلعجي)، وينظر «الكبرى»: (٧/ ٣٣٠).
  2. (٢) أخرجه عبد الرزاق (٦/ ٣٠٣)، والنسائي (٥٥٥٨)، وابن ماجه (٢٠٢٠).
  3. (٣) حديث عليّ أخرجه البيهقي: (٧/ ٣٢٥)، والضياء في «المختارة»: (٢/ ٢٤٨) قال: «ما طلّق رجلٌ طلاقَ السنة فيندم أبدًا».
514

الطلقة وتركها حتى تنقضي عدتها. قال: «طلاق السُّنّة أن يطلقها وهي طاهر، ثم يدعها حتى تنقضي عدتها، أو يراجعها إن شاء». ذَكَره ابنُ عبد البر عنه١. ولأن هذا إرداف طلاق لطلاق٢ من غير حاجة إليه، وتعريضٌ لتحريم المرأة عليه إلا بعد زوجٍ وإصابة، والشارعُ لا غَرَض له في ذلك، ولا مصلحة للمطلِّق، فكان بِدْعيًّا. والله أعلم.

قوله: «فتلك العِدَّة التي أمر الله أن تطلَّق [ق ٩٩] لها النساء» احتج به من يرى الأقراء هي الأطهار. قالوا: واللام بمعنى الوقت، كقوله تعالى ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء:٧٨] وقول العرب: كُتِب لثلاثٍ مَضَيْن ولثلاث بقين. وفي الحديث: «فليصلِّها حين يذكرها، ومن الغد للوقت»٣. قالوا: فهذه اللام الوقتية بمعنى (في)».

وأجاب الآخرون عن هذا بأن «اللام» في قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق:١] هي اللام المذكورة في قوله ﷺ: «أن تُطَلَّق لها النساء»، ولا يصح أن تكون وقتيَّة، ولا ذَكَر أحدٌ من أهل العربية أن اللام تأتي بمعنى «في» أصلًا، ولا يصحّ أن تكون هنا بمعنى «في» ــ ولو صح في غير هذا الموضع ــ لأن الطلاقَ لا يكون في نفس العِدّة، ولا تكون عدّة الطلاق ظرفًا له قط، وإنما اللام هنا على بابها للاختصاص. والمعنى:

  1. (١) في «التمهيد»: (١٥/ ٧٨).
  2. (٢) ط. الفقي: «هذا أردأ طلاق لأنه طلاق» وهو تصرف بالزيادة وتصحيف!
  3. (٣) أخرجه أبو داود (٤٣٧)، وأصله في البخاري (٥٩٥)، ومسلم (٦٨١) من حديث أبي قتادة ﵁.
515

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي