تهذيب السنن

الطلقة وتركها حتى تنقضي عدتها. قال: «طلاق السُّنّة أن يطلقها وهي طاهر، ثم يدعها حتى تنقضي عدتها، أو يراجعها إن شاء». ذَكَره ابنُ عبد البر عنه١. ولأن هذا إرداف طلاق لطلاق٢ من غير حاجة إليه، وتعريضٌ لتحريم المرأة عليه إلا بعد زوجٍ وإصابة، والشارعُ لا غَرَض له في ذلك، ولا مصلحة للمطلِّق، فكان بِدْعيًّا. والله أعلم.

قوله: «فتلك العِدَّة التي أمر الله أن تطلَّق [ق ٩٩] لها النساء» احتج به من يرى الأقراء هي الأطهار. قالوا: واللام بمعنى الوقت، كقوله تعالى ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء:٧٨] وقول العرب: كُتِب لثلاثٍ مَضَيْن ولثلاث بقين. وفي الحديث: «فليصلِّها حين يذكرها، ومن الغد للوقت»٣. قالوا: فهذه اللام الوقتية بمعنى (في)».

وأجاب الآخرون عن هذا بأن «اللام» في قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق:١] هي اللام المذكورة في قوله ﷺ: «أن تُطَلَّق لها النساء»، ولا يصح أن تكون وقتيَّة، ولا ذَكَر أحدٌ من أهل العربية أن اللام تأتي بمعنى «في» أصلًا، ولا يصحّ أن تكون هنا بمعنى «في» ــ ولو صح في غير هذا الموضع ــ لأن الطلاقَ لا يكون في نفس العِدّة، ولا تكون عدّة الطلاق ظرفًا له قط، وإنما اللام هنا على بابها للاختصاص. والمعنى:

  1. (١) في «التمهيد»: (١٥/ ٧٨).
  2. (٢) ط. الفقي: «هذا أردأ طلاق لأنه طلاق» وهو تصرف بالزيادة وتصحيف!
  3. (٣) أخرجه أبو داود (٤٣٧)، وأصله في البخاري (٥٩٥)، ومسلم (٦٨١) من حديث أبي قتادة ﵁.
515

طلقوهن مستقبلاتٍ عدّتَهنّ.

ويفسِّر هذا قراءة النبيّ ﷺ في حديث ابن عمر: «فطلقوهنّ في قُبُل عِدّتهن»١، أي في الوقت الذي تستقبل فيه العدة.

وعلى هذا فإذا طلقها في طُهرها استقبلت العِدَّةَ من الحيضة التي تليه، فقد طلقها في قُبُل عِدّتها، بخلاف ما إذا طلقها حائضًا، فإنها لا تعتدّ بتلك الحيضة، وينتظر فراغها وانقضاء الطهر الذي يليها ثم تشرع في العدة، فلا يكون طلاقُها حائضًا طلاقًا في قُبُل عِدّتها.

وقد أفردْتُ لهذه المسألة مصنّفًا مستقلًّا ذكرتُ فيه مذاهِبَ الناس ومآخِذَهم، وترجيحَ القول الراجح، والجوابَ عما احتجّ به أصحابُ القول الآخر٢.

وقوله: «مُرْه فليراجعها» دليلٌ على أن الأمر بالأمر بالشيء أمرٌ به. وقد اختلف الناس في ذلك٣، وفَصْل النزاع: أن المأمور الأول إن كان مبلِّغًا محضًا، كأمر النبي ﷺ آحادَ الصحابة أن يأمر الغائبَ عنه بأمره، فهذا أمرٌ به من جهة الشارع قطعًا، ولا يَقْبل ذلك نزاعًا أصلًا، ومنه قوله: «مُرْها فلتَصْبِر ولتحتسب»٤، وقوله: «مروهم بصلاة كذا في حين كذا»٥ ونظائره. فهذا

  1. (١) أخرجه مسلم (١٤٧١/ ١٤).
  2. (٢) ولم يُعثر عليه حتى الآن، يسّر الله الوقوفَ عليه.
  3. (٣) ينظر: «المستصفى»: (٢/ ٩١ - ٩٢)، و«البحر المحيط»: (٣/ ٣٤٥)، و«إرشاد الفحول»: (١/ ٢٧٣).
  4. (٤) أخرجه البخاري (٧٣٧٧)، ومسلم (٩٢٣) من حديث أسامة بن زيد ﵄.
  5. (٥) أخرجه البخاري (٦٨٥) من حديث مالك بن الحويرث ﵁.
516

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي