تهذيب السنن

طلقوهن مستقبلاتٍ عدّتَهنّ.

ويفسِّر هذا قراءة النبيّ ﷺ في حديث ابن عمر: «فطلقوهنّ في قُبُل عِدّتهن»١، أي في الوقت الذي تستقبل فيه العدة.

وعلى هذا فإذا طلقها في طُهرها استقبلت العِدَّةَ من الحيضة التي تليه، فقد طلقها في قُبُل عِدّتها، بخلاف ما إذا طلقها حائضًا، فإنها لا تعتدّ بتلك الحيضة، وينتظر فراغها وانقضاء الطهر الذي يليها ثم تشرع في العدة، فلا يكون طلاقُها حائضًا طلاقًا في قُبُل عِدّتها.

وقد أفردْتُ لهذه المسألة مصنّفًا مستقلًّا ذكرتُ فيه مذاهِبَ الناس ومآخِذَهم، وترجيحَ القول الراجح، والجوابَ عما احتجّ به أصحابُ القول الآخر٢.

وقوله: «مُرْه فليراجعها» دليلٌ على أن الأمر بالأمر بالشيء أمرٌ به. وقد اختلف الناس في ذلك٣، وفَصْل النزاع: أن المأمور الأول إن كان مبلِّغًا محضًا، كأمر النبي ﷺ آحادَ الصحابة أن يأمر الغائبَ عنه بأمره، فهذا أمرٌ به من جهة الشارع قطعًا، ولا يَقْبل ذلك نزاعًا أصلًا، ومنه قوله: «مُرْها فلتَصْبِر ولتحتسب»٤، وقوله: «مروهم بصلاة كذا في حين كذا»٥ ونظائره. فهذا

  1. (١) أخرجه مسلم (١٤٧١/ ١٤).
  2. (٢) ولم يُعثر عليه حتى الآن، يسّر الله الوقوفَ عليه.
  3. (٣) ينظر: «المستصفى»: (٢/ ٩١ - ٩٢)، و«البحر المحيط»: (٣/ ٣٤٥)، و«إرشاد الفحول»: (١/ ٢٧٣).
  4. (٤) أخرجه البخاري (٧٣٧٧)، ومسلم (٩٢٣) من حديث أسامة بن زيد ﵄.
  5. (٥) أخرجه البخاري (٦٨٥) من حديث مالك بن الحويرث ﵁.
516

الثاني مأمور به من جهة الرسول ﷺ،فإذا عصاه المبلَّغ إليه فقد عصى أمرَ الرسول صلوات الله وسلامه عليه، والمأمور الأول مبلِّغ محض.

وإن كان الأمر متوجِّهًا إلى المأمور الأول توجُّه التكليف، والثاني غير مكلَّف، لم يكن أمرًا للثاني من جهة الشارع، كقوله ﷺ: «مروهم بالصلاة لسبع»١. فهذا الأمر خطاب للأولياء بأمرهم الصبيانَ بالصلاة. فهذا فصل الخطاب في هذا الباب، والله أعلم بالصواب.

فهذه كلمات نبَّهنا بها على بعض فوائد حديث ابن عمر، ولا تستطِلْها، فإنها مشتملة على فوائد جمّة، وقواعد مهمة، ومباحث من٢ قَصْده الظَّفَر بالحق، وإعطاء كلِّ ذي حقٍّ حقَّه، من غير ميلٍ مع ذي مذهبه، ولا خدمة لإمامه وأصحابه بحديث رسول الله ﷺ، بل تابعٌ للدليل، حريص على الظَّفَر بالسنة والسبيل، يدور مع الحقِّ أنى توجَّهت ركائبُه، ويستقرّ معه حيث استقرّتْ مضاربُه.

ولا يعرف قدرَ هذا السير إلا مَن علَتْ هِمَّتُه، وتطلَّعت نوازعُ قلبه، واستشرفت نفسُه إلى الارتضاع من ثدي الرسالة، والورود من عين حوض النبوة، والخَلاص مِن شِباك الأقوال المتعارضة، والآراء المتناقضة، إلى

  1. (١) أخرجه أبو داود (٤٩٤)، والترمذي (٤٠٩)، وأحمد (١٥٣٣٩)، وابن خزيمة (١٠٠٢)، والحاكم (١/ ٢٥٨) من حديث عبد الملك بن الربيع بن سبرة عن أبيه عن جده. قال الترمذي: حسن صحيح، وصححه ابن خزيمة والحاكم، وحسّنه ابن القطان في «بيان الوهم»: (٤/ ١٣٨).
  2. (٢) كذا في الأصول، وفي ط. الفقي: «لمن».
517

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي