تهذيب السنن

الثاني مأمور به من جهة الرسول ﷺ،فإذا عصاه المبلَّغ إليه فقد عصى أمرَ الرسول صلوات الله وسلامه عليه، والمأمور الأول مبلِّغ محض.

وإن كان الأمر متوجِّهًا إلى المأمور الأول توجُّه التكليف، والثاني غير مكلَّف، لم يكن أمرًا للثاني من جهة الشارع، كقوله ﷺ: «مروهم بالصلاة لسبع»١. فهذا الأمر خطاب للأولياء بأمرهم الصبيانَ بالصلاة. فهذا فصل الخطاب في هذا الباب، والله أعلم بالصواب.

فهذه كلمات نبَّهنا بها على بعض فوائد حديث ابن عمر، ولا تستطِلْها، فإنها مشتملة على فوائد جمّة، وقواعد مهمة، ومباحث من٢ قَصْده الظَّفَر بالحق، وإعطاء كلِّ ذي حقٍّ حقَّه، من غير ميلٍ مع ذي مذهبه، ولا خدمة لإمامه وأصحابه بحديث رسول الله ﷺ، بل تابعٌ للدليل، حريص على الظَّفَر بالسنة والسبيل، يدور مع الحقِّ أنى توجَّهت ركائبُه، ويستقرّ معه حيث استقرّتْ مضاربُه.

ولا يعرف قدرَ هذا السير إلا مَن علَتْ هِمَّتُه، وتطلَّعت نوازعُ قلبه، واستشرفت نفسُه إلى الارتضاع من ثدي الرسالة، والورود من عين حوض النبوة، والخَلاص مِن شِباك الأقوال المتعارضة، والآراء المتناقضة، إلى

  1. (١) أخرجه أبو داود (٤٩٤)، والترمذي (٤٠٩)، وأحمد (١٥٣٣٩)، وابن خزيمة (١٠٠٢)، والحاكم (١/ ٢٥٨) من حديث عبد الملك بن الربيع بن سبرة عن أبيه عن جده. قال الترمذي: حسن صحيح، وصححه ابن خزيمة والحاكم، وحسّنه ابن القطان في «بيان الوهم»: (٤/ ١٣٨).
  2. (٢) كذا في الأصول، وفي ط. الفقي: «لمن».
517

فضاء العلم الموروث عمن لا ينطق عن الهوى، ولا يتجاوز نطقه البيان والرشاد والهدى، وبيداء اليقين التي مَن حلّها حُشِر في زمرة العلماء، وعُدّ مِن ورثة الأنبياء، وما هي إلا أوقاتٌ محدودة، وأنفاسٌ على العبد معدودة، فلينفِقْها فيما شاء١.

أنتَ القتيلُ بكلّ مَن أحببتَهفانظر لنفسكَ في الهوى مَن تصطفي٢

٣ - بابٌ في نسخ المراجعة٣

ذكر أبو داود حديثين فقال ابن القيم ﵀: لم يذكر أبو داود في النَّسْخ غيرَ هذين. وفيه أحاديث أصح وأصرح منهما: منها: حديث مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: «كان الرجل إذا طلَّق امرأتَه، ثم ارتجعها قبل أن تنقضي عِدّتُها، كان ذلك له، وإن طلَّقها ألف مرّة، فعَمَد رجلٌ إلى امرأةٍ له فطلقها، ثم أمهلها حتى إذا شارفت انقضاء عِدّتها ارتجعها، ثم طلقها، وقال: والله لا آويك إليَّ ولا تحلّين أبدًا، فأنزل الله ﷿: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:٢٢٩]. فاستقبلَ الناسُ الطلاقَ

  1. (١) «وما هي إلا ...» إلى هنا ليس في (هـ).
  2. (٢) البيت لابن الفارض من فائيته المشهورة، ينظر «ديوانه» (١/ ١٩٥ - مع شرحه).
  3. (٣) ليس في «السنن» ولا «المختصر» باب بهذه الترجمة، وإنما فيهما: «باب الرجل يراجع ولا يشهد» وساق تحته حديث عمران بن حصين فقط: «سئل عن الرجل يطلق امرأته ثم يقع بها، ولم يُشهد على طلاقها ولا رجعتها ...» الحديث. أخرجه أبو داود (٢١٨٦)، وابن ماجه (٢٠٢٥).
    ثم بعد أربعة أبواب ــ كما سيأتي ــ ساق ترجمة (باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث) وساق تحته عدة أحاديث.
518

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي