قال ابن القيم ﵀: قال شيخنا١: والإغلاق انسدادُ باب العلم والقَصْدِ عليه. فيدخل فيه طلاق المعتوه والمجنون والسكران والمُكْرَه والغضبان الذي لا يَعْقِل ما يقول، لأن كلًّا من هؤلاء قد أُغْلِق عليه باب العلم والقَصْد، والطلاقُ إنما يقع مِن قاصدٍ له عالمٍ به. والله أعلم.
٦ - باب في الطلاق على الهَزْل
١٧٤/ ٢١٠٨ - عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «ثلاثٌ جِدُّهُنَّ جِدُّ وهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النكاح، والطلاق، والرَّجْعة».
وأخرجه الترمذي وابن ماجه٢. وقال الترمذي: حديث حسن غريب. هذا آخر كلامه. وقال أبو بكر المعافري: روي «والعتق» ولم يصح شيء منه. فإن كان أراد ليس منه شيء على شرط الصحيح، فلا كلام. وإن أراد أنه ضعيف، ففيه نظر، فإنه حسن كما قال الترمذي.
قال ابن القيم ﵀: وقد احتجَّ به من يرى طلاقَ المكره لازمًا، قال: لأنه أكثر ما فيه أنه لم يقصده، والقصد لا يعتبر في الصريح، بدليل وقوعه من الهازل واللاعب.
(١) يعني شيخ الإسلام ابن تيمية، ولم أجده بنصه في كتبه المطبوعة. وانظر رسالة المؤلف «إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان» (ص ١٦ - ٢٤)، و«زاد المعاد»: (٥/ ٢١٥)، و«إعلام الموقعين»: (٤/ ٥٠).
(٢) أخرجه أبو داود (٢١٩٤)، والترمذي (١٢٢٠)، وابن ماجه (٢٠٣٩) من طريق عبد الرحمن بن حبيب عن عطاء بن أبي رباح عن ابن ماهَك عن أبي هريرة به، وعبد الرحمن بن حبيب متكلم فيه، قال الذهبي: صدوق له ما يُنكر. وله شواهد يُحسّن بها، ينظر «نصب الراية»: (٣/ ٢٩٣)، و«التلخيص الحبير»: (٣/ ٢٣٦).
وهذا قياس فاسد، فإن المُكْرَه غيرُ قاصدٍ للقول، ولا لموجَبه، وإنما حُمِل عليه وأُكْرِه على التكلُّم به، ولم يُكرَه على القصد.
وأما الهازل فإنه تكلّم باللفظ اختيارًا وقَصَد به غيرَ موجَبه، وهذا ليس إليه، بل إلى الشارع، فهو أراد اللفظ الذي إليه، وأراد أن لا يكون موجَبه، وليس إليه، فإنَّ مَن باشر سببَ الحكم باختياره لزمه مسبّبه ومقتضاه وإن لم يرده. وأما المكره فإنه لم يُرِد لا هذا ولا هذا، فقياسه على الهازل غير صحيح١.
٧ - باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث٢
١٧٥/ ٢١١٠ - وعن ابن عباس قال: «طَلَّقَ عبدُ يزيد ــ أبو ركانة وإخْوَتِهِ ــ أمَّ ركانة، ونكح امرأةً من مُزَيْنَةَ، فجاءت النبيَّ ﷺ فقالت: ما يُغْنِي عَنِّي إلا كما تغني هذه الشعرة، لشعرةٍ أخذتها من رأسها، ففَرِّق بيني وبينه، فأخذت النبيَّ ﷺ حَميَّةٌ، فدعا برُكَانَةَ وإخوته، ثم قال لجلسائه: أَتَرَوْنَ فلانًا يشبه منه كذا وكذا، من عبد يزيد، وفلانًا منه كذا وكذا؟ قالوا: نعم، قال النبي ﷺ لعبد يزيد: طلِّقها، ففعل، ثم قال: راجع امرأتك أمَّ ركانة وإخوته، فقال: إني طلقتها ثلاثًا يا رسول الله، قال: قَدْ عَلِمْتُ، رَاجِعْها» وتلا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾٣[الطلاق: ١].
(١) ينظر «إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان» (ص ٣٠، ٣٨ - ٣٩، ٥٠ - ٥١) للمؤلف.
(٢) ينظر ما سبق التعليق عليه عند (باب نسخ المراجعة).
(٣) أخرجه أبو داود (٢١٩٦)، وعبد الرزاق (٦/ ٣٩٠)، ومن طريقه أبو داود والبيهقي: (٧/ ٣٣٩)، من طريق ابن جُريج حدثني بعض بني رافع عن عكرمة عن ابن عباس به.