تهذيب السنن

تُحْتَسب على عهد رسول الله ﷺ واحدة» يعني أنه بأمر رسول الله ﷺ، فالذي يشبه ــ والله أعلم ــ أن يكون ابن عباس قد علم أن كان شيء فنُسِخ.

قال البيهقي١: ورواية عكرمة، عن ابن عباس فيها تأكيد لصحَّة هذا التأويل. يريد البيهقيُّ الحديثَ الذي ذكره أبو داود في باب نسخ المراجعة وقد تقدم.

وقال أبو العباس بن سُرَيج٢: يمكن أن يكون ذلك إنما جاء في نوعٍ خاصّ من الطلاق الثلاث، وهو أن يفرّق بين اللفظ كأنْ يقول: أنتِ طالق، أنت طالق، أنت طالق. وكان في عهد النبيِّ ﷺ،وعهد أبي بكر والناسُ على صِدْقهم وسلامتهم، لم يكن ظهر فيهم الخِبّ والخداع، فكانوا يُصَدَّقون أنهم أرادوا به التوكيد، ولا يريدون الثلاث. ولما رأى عمر ﵁ في زمانه أمورًا ظهرت وأحوالًا تغيَّرت، منع مِن حَمْل اللفظ على التكرار، فألزمَهم الثلاثَ.

وقال بعضهم: إن ذلك إنما جاء في غير المدخول بها. وذهب إلى هذا جماعة من أصحاب ابن عباس، ورأوا أن الثلاث لا تقع على غير المدخول بها، لأنها بالواحدة تَبِيْن، فإذا قال: أنتِ طالق بانت، وقوله: «ثلاثًا» وقع بعد البينونة فلا يعتدّ به، وهذا مذهب إسحاق بن راهويه٣.

  1. (١) «الكبرى»: (٧/ ٣٣٨).
  2. (٢) ينظر لكلام ابن سُريج: «معالم السنن»: (٢/ ٦٥٠) للخطابي. وتصحف فيه إلى «ابن شريح».
  3. (٣) ينظر «مسائل الكوسج»: (٤/ ١٧٧٤ - ١٧٧٥).
529

وقال بعضهم: قد ثبتَ عن فاطمة بنت قيس أن أبا حفص بن المغيرة طلقها ثلاثًا، فأبانها النبيُّ ﷺ ولم يجعل لها نفقةً ولا سُكْنى١. وفي حديث ابن عمر: أنه قال: يا رسول الله، أرأيتَ لو طلقتها ثلاثًا؟ قال: «إذن عصيتَ ربَّك وبانت منك امرأتُك». رواه الدارقطني٢. وعن عليٍّ قال: سمع النبيُّ ﷺ رجلًا طلَّق امرأتَه البتة، فغضب وقال: «يتخذون آيات الله هزوًا؟ مَن طلَّق البتة ألزمناه ثلاثًا لا تحلّ له حتى تنكح زوجًا غيره». رواه الدارقطني٣ أيضًا.

قالوا: وهذه الأحاديث أكثر وأشهر من حديث أبي الصهباء، وقد عمل بها الأئمة، فالأَخْذ بها أولى.

وقال بعضهم: المراد أنه كان المعتاد في زمن النبي ﷺ تطليقة واحدة، وقد اعتاد الناسُ الآن التطليق الثلاث، والمعنى: كان الطلاق المُوقَع الآن ثلاثًا يوقَع في عهد النبيِّ ﷺ وأبي بكر واحدة.

وقال بعضهم: ليس في هذا الحديث أن ذلك كان يبلغ النبيَّ ﷺ،فيُقِرُّ عليه، والحجة إنما هي في إقراره بعد بلوغه. ولمَّا بلغه طلاقُ رُكَانة امرأتَه البتة استحلفه: ما أردْتَ بها إلا واحدةً؟٤ ولو كانت الثلاثُ واحدةً [ق ١٠٢] لم يكن لاستحلافه معنى، فإنها واحدة، سواء أراد بها الثلاث أو الواحدة.

  1. (١) أخرجه مسلم (١٤٨٠)، وأبو داود (٢٢٨٨)، والترمذي (١٢١٥) وغيرهم من حديث فاطمة بنت قيس ﵂.
  2. (٢) (٣٩٦٧). وضعَّفه البيهقي: (٧/ ٣٣٠).
  3. (٣) (٣٩٤٥) وضعَّفه، وفيه زيادة «أو دين الله هزوًا ولعبًا».
  4. (٤) تقدم تخريجه.
530

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي