وقال بعضهم: الإجماع منعقدٌ على خلاف هذا الحديث، والإجماعُ معصومٌ من الغلط والخطأ، دون خبر الواحد.
وقال بعضهم: إنما هذا في طلاق البتة. فإنها كانت على عهد رسول الله ﷺ يراد بها الواحدة، كما أراد بها رُكَانة، ثم تتايع١ الناسُ فيها، فأرادوا بها الثلاث، فألزمهم عُمر إيّاها.
فهذه عشرة مسالك للناس في ردِّ هذا الحديث٢.
وقال أبو بكر بن عربي٣ المُعَافري في كتابه «الناسخ والمنسوخ»٤: «(غائلة) قال تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾[البقرة:٢٢٩]: زلَّ قومٌ في آخر الزمان فقالوا: إن الطلاق الثلاث في كلمة لا يلزم، وجعلوه واحدة، ونسبوه إلى السلف الأول، فحكوه عن عليٍّ والزبير وعبدالرحمن بن عوف وابن مسعود وابن عباس، وعزوه إلى الحجَّاج بن أرطاة الضعيف المنزلة، المغموز٥ المرتبة، ورووا في ذلك حديثًا ليس له أصل.
وغوى قومٌ مِن أهل المسائل، فتتبعوا الأهواءَ المبتدعةَ فيه، وقالوا: إن
(١) الأصل والمطبوعات: «تتابع» والظاهر ما أثبت، وقد مضى التعليق على مثل هذه الكلمة فيما سلف فلا نعيده.
(٢) وانظر في نقد هذه المسالك «زاد المعاد»: (٥/ ٢٤٢ - ٢٤٨) ووصفها بأنها مسالك وعرة لا يصح منها شيء.
(٣) كذا في الأصل و(ش)، وغيّرت في الطبعتين إلى «العربي».
(٤) (٢/ ٧٧ - ٩١) والنص إلى آخر هذا المبحث منه.
(٥) في الأصل غير معجمة، وفي ط. المعارف: «المغمور» وما أثبته مناسب للسياق، والمعنى أنه متكلّم فيه من قبل حفظه، ومرتبته في الثقة مغموزة.
قوله: «أنت طالق ثلاثًا» كذب، لأنه لم يُطلّق ثلاثًا، كما لو قال: «طلقت ثلاثًا»، ولم يطلِّق إلا واحدة، وكما لو قال: «أحلف ثلاثًا»، كانت يمينًا واحدة.
(منبهة): لقد طوَّفتُ في الآفاق، ولقيتُ من علماء الإسلام وأرباب المذاهب كلَّ صفّاق١، فما سمعتُ لهذه المقالة بخبر، ولا حَسِسْتُ لها بأثر٢، إلا الشيعة الذين يرون نكاح المتعة جائزًا ولا يرون الطلاق واقعًا. ولذلك قال فيهم ابن سُكّرة الهاشمي٣:
يا مَن يرى المتعةَ في دينهحلًّا٤، وإن كانَتْ بلا مهر
ولا يرى سبعين تطليقةتَبِينُ منه رَبَّةُ الخِدْر
من ها هنا طابت مواليدُكمفاغتنموها يا بني النظر٥
وقد اتفق علماء الإسلام، وأرباب الحلِّ والعقد في الأحكام، على أن الطلاق الثلاث في كلمة ــ وإن كان حرامًا في قول بعضهم، وبدعةً في قول الآخرين ــ لازمٌ، وأين هؤلاء البؤساء من عالم الدين، وعَلَم الإسلام
(١) ط. الفقي: «صادق» تصحيف، وفي «الناسخ»: «صفّاق آفاق».
(٢) كذا قال ابن العربي، مع أنه حكى قبل قليل عددًا ممن قال بها، وقد جمع د. سليمان العمير من قال بها في جزء مفرد بعنوان «تسمية المفتين بأن الطلاق الثلاث بلفظ واحد طلقة واحدة»، فبلغوا إلى عصر ابن العربي اثنين وعشرين عالمًا.
(٣) هو أبو الحسن محمد بن عبد الله بن سكّرة الهاشمي (ت ٣٨٥)، ترجمته في «تاريخ بغداد»: (٥/ ٤٦٥ - ٤٦٦) و«تاريخ الإسلام»: (١٦/ ٥٨٣). وله ديوان شعر كبير.