تهذيب السنن

قوله: «أنت طالق ثلاثًا» كذب، لأنه لم يُطلّق ثلاثًا، كما لو قال: «طلقت ثلاثًا»، ولم يطلِّق إلا واحدة، وكما لو قال: «أحلف ثلاثًا»، كانت يمينًا واحدة.

(منبهة): لقد طوَّفتُ في الآفاق، ولقيتُ من علماء الإسلام وأرباب المذاهب كلَّ صفّاق١، فما سمعتُ لهذه المقالة بخبر، ولا حَسِسْتُ لها بأثر٢، إلا الشيعة الذين يرون نكاح المتعة جائزًا ولا يرون الطلاق واقعًا. ولذلك قال فيهم ابن سُكّرة الهاشمي٣:

يا مَن يرى المتعةَ في دينهحلًّا٤، وإن كانَتْ بلا مهر
ولا يرى سبعين تطليقةتَبِينُ منه رَبَّةُ الخِدْر
من ها هنا طابت مواليدُكمفاغتنموها يا بني النظر٥

وقد اتفق علماء الإسلام، وأرباب الحلِّ والعقد في الأحكام، على أن الطلاق الثلاث في كلمة ــ وإن كان حرامًا في قول بعضهم، وبدعةً في قول الآخرين ــ لازمٌ، وأين هؤلاء البؤساء من عالم الدين، وعَلَم الإسلام

  1. (١) ط. الفقي: «صادق» تصحيف، وفي «الناسخ»: «صفّاق آفاق».
  2. (٢) كذا قال ابن العربي، مع أنه حكى قبل قليل عددًا ممن قال بها، وقد جمع د. سليمان العمير من قال بها في جزء مفرد بعنوان «تسمية المفتين بأن الطلاق الثلاث بلفظ واحد طلقة واحدة»، فبلغوا إلى عصر ابن العربي اثنين وعشرين عالمًا.
  3. (٣) هو أبو الحسن محمد بن عبد الله بن سكّرة الهاشمي (ت ٣٨٥)، ترجمته في «تاريخ بغداد»: (٥/ ٤٦٥ - ٤٦٦) و«تاريخ الإسلام»: (١٦/ ٥٨٣). وله ديوان شعر كبير.
  4. (٤) في «الناسخ»: «حلالًا».
  5. (٥) كذا في الأصل و(ش)، وفي «الناسخ»: «صخر».
532

محمد بن إسماعيل البخاري، وقد قال في «صحيحه»١: باب جواز الثلاث لقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾، وذَكَر حديث اللعان: «فطلَّقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله ﷺ»٢. ولم يغيِّر عليه النبيُّ ﷺ، ولا يُقَرُّ على الباطل، ولأنه جَمَع ما فُسِح له في تفريقه فألزمته الشريعةُ حكمَه.

وما نسبوه إلى الصحابة كذبٌ بحت لا أصل له في كتاب، ولا رواية له عن أحد.

وقد أدخل مالكٌ في «موطئه»٣ عن علي: «أن الحرام ثلاث لازمة في كلمة» فهذا في معناها، فكيف إذا صرَّح بها؟!

وأما حديث الحجاج بن أرطاة فغير مقبول في المِلّة، ولا عند أحدٍ من الأئمة.

فإن قيل: ففي «صحيح مسلم»٤ عن ابن عباس ــ وذكر حديث أبي الصهباء هذا.

قلنا: هذا لا متعلَّق فيه من خمسة أوجه:

الأول: أنه حديث مختلَفٌ في صحته، فكيف يقدَّم على إجماع الأمة؟ ولم يُعرَف في هذه المسألة خلافٌ إلا عن قوم انحطُّوا عن رتبة التابعين، وقد

  1. (١) (٧/ ٤٢) والباب فيه: «باب من أجاز طلاق الثلاث».
  2. (٢) (٥٢٥٩)، وأخرجه مسلم (١٤٩٢).
  3. (٣) (١٥٨٦). وينظر «الاستذكار» (٦/ ١٧).
  4. (٤) (١٤٧٢/ ١٦).
533

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي