محمد بن إسماعيل البخاري، وقد قال في «صحيحه»١: باب جواز الثلاث لقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾، وذَكَر حديث اللعان: «فطلَّقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله ﷺ»٢. ولم يغيِّر عليه النبيُّ ﷺ، ولا يُقَرُّ على الباطل، ولأنه جَمَع ما فُسِح له في تفريقه فألزمته الشريعةُ حكمَه.
وما نسبوه إلى الصحابة كذبٌ بحت لا أصل له في كتاب، ولا رواية له عن أحد.
وقد أدخل مالكٌ في «موطئه»٣ عن علي: «أن الحرام ثلاث لازمة في كلمة» فهذا في معناها، فكيف إذا صرَّح بها؟!
وأما حديث الحجاج بن أرطاة فغير مقبول في المِلّة، ولا عند أحدٍ من الأئمة.
فإن قيل: ففي «صحيح مسلم»٤ عن ابن عباس ــ وذكر حديث أبي الصهباء هذا.
قلنا: هذا لا متعلَّق فيه من خمسة أوجه:
الأول: أنه حديث مختلَفٌ في صحته، فكيف يقدَّم على إجماع الأمة؟ ولم يُعرَف في هذه المسألة خلافٌ إلا عن قوم انحطُّوا عن رتبة التابعين، وقد
(١) (٧/ ٤٢) والباب فيه: «باب من أجاز طلاق الثلاث».
(٢) (٥٢٥٩)، وأخرجه مسلم (١٤٩٢).
(٣) (١٥٨٦). وينظر «الاستذكار» (٦/ ١٧).
(٤) (١٤٧٢/ ١٦).
سبق العصران الكريمان والاتفاق١ على لزوم الثلاث، فإن رووا ذلك عن أحدٍ منهم فلا تقبلوا منهم إلا ما يقبلون منكم، فِعْل٢ العَدْل عن العَدْل، ولا تجد هذه المسألة منسوبةً إلى أحدٍ من السلف أبدًا.
الثاني: أن هذا الحديث لم يُرْو إلا عن ابن عباس، ولم يُرو عنه إلا من طريق طاوس. فكيف يُقبل ما لم يروه من الصحابة إلا واحد، وما لم يروه عن ذلك الصحابي إلا واحد؟ وكيف خفي هذا عن جميع الصحابة وسكتوا عنه إلا ابن عباس؟ وكيف خفي على جميع أصحاب ابن عباس إلا طاوس؟!
الثالث: يحتمل أن يُرَاد به قبل الدخول. وكذلك تأوَّله النسائيُّ، فقال٣: باب طلاق الثلاث المتفرِّقة قبل الدخول بالزوجة. وذَكَر هذا الحديث بنصِّه٤.
الرابع: أنه يعارضه حديث محمود بن لَبِيد، قال: أُخْبِر رسولُ الله ﷺ عن رجلٍ طلَّق امرأتَه ثلاث تطليقات جميعًا، فقام غضبان، ثم قال: «أيُلْعَب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟» حتى قام رجل فقال: يا رسول الله ألا أقتله؟ رواه النسائي٥.
فلم يردّه النبيُّ ﷺ بل أمضاه، وكما في حديث عُوَيمر في اللعان حيث