سبق العصران الكريمان والاتفاق١ على لزوم الثلاث، فإن رووا ذلك عن أحدٍ منهم فلا تقبلوا منهم إلا ما يقبلون منكم، فِعْل٢ العَدْل عن العَدْل، ولا تجد هذه المسألة منسوبةً إلى أحدٍ من السلف أبدًا.
الثاني: أن هذا الحديث لم يُرْو إلا عن ابن عباس، ولم يُرو عنه إلا من طريق طاوس. فكيف يُقبل ما لم يروه من الصحابة إلا واحد، وما لم يروه عن ذلك الصحابي إلا واحد؟ وكيف خفي هذا عن جميع الصحابة وسكتوا عنه إلا ابن عباس؟ وكيف خفي على جميع أصحاب ابن عباس إلا طاوس؟!
الثالث: يحتمل أن يُرَاد به قبل الدخول. وكذلك تأوَّله النسائيُّ، فقال٣: باب طلاق الثلاث المتفرِّقة قبل الدخول بالزوجة. وذَكَر هذا الحديث بنصِّه٤.
الرابع: أنه يعارضه حديث محمود بن لَبِيد، قال: أُخْبِر رسولُ الله ﷺ عن رجلٍ طلَّق امرأتَه ثلاث تطليقات جميعًا، فقام غضبان، ثم قال: «أيُلْعَب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟» حتى قام رجل فقال: يا رسول الله ألا أقتله؟ رواه النسائي٥.
فلم يردّه النبيُّ ﷺ بل أمضاه، وكما في حديث عُوَيمر في اللعان حيث
(١) في «الناسخ»: «والإصفاق».
(٢) ط. الفقي: «نقل»، وفي الأصل محررة كما أثبتنا.
(٣) (٦/ ١٤٥).
(٤) (٣٤٠٦).
(٥) (٣٤٠١).
أمضى طلاقَه الثلاث ولم يردّه١.
الخامس: وهو قويٌّ في النظر والتأويل، أنه قال: «كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله ﷺ واحدة»، يحتمل أن يريد به: كان حكم الثلاث إذا وقعَتْ أن تُجْعَل واحدة، وأن يريد به: كانت عبارة الثلاث على عهده أن تُذْكَر واحدة، فلما تتايع الناسُ في الطلاق وذكروا الثلاثَ بدل الواحدةَ، أمضى ذلك عمر كما أمضاه رسولُ الله ﷺ على عويمر حين طلَّق ثلاثًا. فلا يبقى في المسألة إشكال. فهذا أقصى ما يُرَدُّ به هذا الحديث٢.
٨ - باب في أمرك بِيَدِك
١٧٧/ ٢١١٨ - عن حماد بن زيد قال: «قلت لأيوب: هل تعلم أحدًا قال بقول الحسن في «أَمْرُكِ بِيَدِكِ»؟ قال: لا، إلا شيء حدثناه قَتادة، عن كثير مولى ابن سَمُرة عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بنحوه، قال أيوب: فقدم علينا كثير، فسألته؟ فقال: ما حدثتُ بهذا قط، فذكرته لقتادة؟ فقال: بلى، ولكنه نَسي».
وأخرجه الترمذي والنسائي٣. وقال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديث سليمان بن حرب، وذكر [عن] البخاري أنه قال: إنما هو عن أبي هريرة موقوف، ولم يعرف حديث أبي هريرة مرفوعًا. وقال النسائي٤: هذا حديث منكر.
(١) تقدم تخريجه.
(٢) والأجوبة عن هذه الاعتراضات ذكرها المؤلف في «زاد المعاد»: (٥/ ٢٤١ - ٢٧١)، و«أعلام الموقعين»: (٣/ ٤٦٩، ٤/ ٢١٢)، و«إغاثة اللهفان»: (١/ ٥١٢ - ٥٤١).
(٣) أخرجه أبو داود (٢٢٠٤)، والترمذي (١١٧٨)، والنسائي في «المجتبى» (٣٤١٠) وفي «الكبرى» (٥٥٧٣) من طريق سليمان بن حرب عن حماد بن زيد به.