أيضًا، فهو أصح الضعيفين عنده، وكثيرًا ما يُطْلِق أهلُ الحديث هذه العبارة على أرجح الحديثين الضعيفين، وهو كثير في كلام المتقدمين.
ولو لم يكن اصطلاحًا لهم لم تدلّ اللغةُ على إطلاق الصحة عليه، فإنك تقول لأحد المريضين: «هذا أصح من هذا»، ولا يدل على أنه صحيح مطلقًا. والله أعلم.
١٠ - باب الرجل يقول لامرأته: يا أُختي
١٧٩/ ٢١٢٥ - وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ: «أن إبراهيم ﵇ لم يكذب قطُّ إلا ثلاث كذبات: ثنتان في ذاتِ الله تعالى: قوله ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾[الصافات: ٩٨]، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾[الأنبياء: ٦٣]، وبينما هو يسير في أرض جبَّار من الجبابرة، إذ نزل منزلًا، فأُتيَ الجبار، فقيل له: إنه نزل ههنا رجل معه امرأةٌ هي أحسنُ الناس، قال: فأرسل إليه، فسأله عنها؟ فقال: إنها أختي، فلما رجع إليها قال: إن هذا سألني عنكِ، فأنبأته أنكِ أختي، وإنه ليس اليومَ مسلمٌ غيري وغيرك، وإنكِ أختي في كتاب الله، فلا تُكذِّبيني عنده ــ وساق الحديث».
وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي١.
قال ابن القيم ﵀: وفيه دليلٌ على أنّ مَن قال لامرأته: إنها أختي أو أمِّي على سبيل الكرامة والتوقير لا يكون مُظاهِرًا. وعلى هذا فإذا قال لعبده: «هو حرّ»، يعني أنه ليس بفاجر لم يُعْتَق، وهذا هو الصواب الذي لا ينبغي أن يُفْتَى بخلافه، فإن السيد إذا قيل له: «عبدك فاجر زان»، فقال: «ما هو إلا
(١) أخرجه أبو داود (٢٢١٢)، والبخاري (٣٣٥٨)، ومسلم (٢٣٧١)، والترمذي (٣١٦٦)، والنسائي في «الكبرى» (٨٣١٥).
حرٌّ»، قطَعَ سامعُه أنه إنما أراد العفّة لا العتق١. وكذلك إذا قيل له: «جاريتك تبغي»، فقال: «إنما هي حُرّة».
وسَمَّى هذه كذبات٢ لأنها تورية.
وقد أشكل على الناس تسميتها كذبًا، لكون المتكلِّم إنما أراد بلفظه المعنى الذي قصدَه، فكيف يكون كذبًا؟
والتحقيقُ في ذلك: أنها كذب بالنسبة إلى إفهام المخاطَب، لا بالنسبة إلى عناية المتكلم، فإن الكلامَ له نسبتان: نسبة إلى المتكلِّم ونسبة إلى المخاطَب، فلما أراد الموَرِّي أن يُفْهِم المخاطَبَ خلافَ ما قصدَه بلفظِه، أُطْلِق الكذبُ عليه بهذا الاعتبار، وإن كان المتكلِّم صادقًا باعتبار قصده ومراده.
١١ - باب في عِدّة المختلعة٣
١٨٠/ ٢١٣٧ - وعن ابن عباس: «أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت منه، فجعل النبي ﷺ عِدَّتها حَيْضَةً»٤.
وذكر أنه رُوي مرسلًا. وأخرجه الترمذي مسندًا. وقال: هذا حديث حسن
(١) ط. الفقي: «الصفة لا العين» بدلًا من «العفة لا العتق»!
(٢) ط. الفقي: «وسمّي قول إبراهيم هذا كذبًا ...» وفيه تصرّف وإضافة بلا داعٍ، وبدون إشارة!
(٣) في «المختصر» و«السنن»: «باب في الخلع». وهذا الباب مكانه في مطبوعة «المختصر» و«السنن» (٢/ ٦٦٧): بعد (باب الظهار). فأبقيناه كما في الأصل و(هـ، ش).