وقد روى ابن ماجه في «سننه»١: أخبرنا عليّ بن محمد، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: «أُمِرَت بريرةُ أن تعتدّ بثلاث حِيَض». وهذا مع أنه إسناد «الصحيحين»، فلم يروه أحدٌ من أهل الكتب الستة إلا ابن ماجه، ويبعد أن تكون الثلاث حِيَض محفوظة فيه. فإن مذهب عائشة: أن الأقراءَ الأطهارُ٢، وقد أمرَ النبيُّ ﷺ المختلعةَ أن تستبرئ بحيضة كما تقدم، فهذه أولى، ولأن الأقراء الثلاثة إنما جُعِلَت في حقِّ المطلَّقة ليطول زمنُ الرجعة، فيتمكّن زوجُها مِن رَجْعتها متى شاء، ثم أُجْرِي الطلاقُ كلُّه مجرًى واحدًا. وطَرْد هذا: أن المَزْنيّ بها تُسْتبرأ بحيضة، وقد نصّ عليه أحمد٣.
وبالجملة: فالأمر بالتربُّص ثلاثة قروء إنما هو للمطلَّقة. والمُعْتَقَةُ إذا فَسَخت فهي بالمختلعة والأمةِ المستبرأةِ أَشْبَه، إذ المقصود براءة رحمها، فالاستدلال على تعدُّد الأقراء في حقِّها بالآية غير صحيح، لأنها ليست مطلَّقة، ولو كانت مطلَّقةً لثبت لزوجها عليها الرجعة.
وأما الأحاديث في هذه اللفظة ففي صحتها نظر. وحديثُ الدارقطني المعروفُ أن الحسن رواه مرسلًا: «أن النبيَّ ﷺ أمر بريرة أن تعتدّ عِدّة الحُرّة»٤
ورواه البيهقي في «سننه»١ من حديث عكرمة عن ابن عباس.
وفيه وجه رابع: وهو أنه جعل عدَّتها عدةَ المطلَّقة، رواه البيهقي٢ من حديث أبي مَعْشَر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. ورواه أبو يعلى الموصلي٣، عن محمد بن بكّار، عن أبي مَعْشَر.
فهذه أربعة أوجه: أحدها: أن تعتدّ. الثاني: عِدّة الحُرّة. الثالث: عِدّة المطلقة. الرابع: بثلاث حِيَض.
١٤ - باب في المملوكين يُعْتَقان معًا٤
١٨٣/ ٢١٤٥ - عن عائشة: أنها أرادت أن تعتق مملوكين لها، زوجٌ، قال: فسألتِ النبيَّ ﷺ عن ذلك؟ فأمرها أن تبدأ بالرجل قبل المرأة.
وأخرجه النسائي وابن ماجه٥. وفي إسناده عبد الله بن عبد الرحمن بن مَوْهَب، وقد ضعّفه يحيى بن معين، وقال مرة: ثقة. وقال النسائي: ليس بذاك القوي.
قال ابن القيم ﵀: واستدلَّ به من يقول: إن التخيير إنما يكون للمعتَقَة تحت عبدٍ، ولو كان لها خيار إذا كانت تحت حرٍّ لم يكن لتقديم عتق الزوج عليها معنى ولا فائدة. وفيه نظر.
(١) (٧/ ٤٥١).
(٢) (٧/ ٤٥١).
(٣) (٨/ ٣١٩).
(٤) في «المختصر» و«السنن» زيادة: «هل تُخيّر امرأته».
(٥) أخرجه أبو داود (٢٢٣٧)، والنسائي في «الكبرى» (٤٩١٥)، وابن ماجه (٢٥٣٢)، وصححه ابن حبان (٤٣١١).