وقد أعلّ ابنُ حزم حديثَ جابر بأنه عن أبان بن صالح، وهو مجهول، ولا يحتج برواية مجهول١.
قال ابن مُفَوّز٢: أبان بن صالح مشهور ثقة صاحب حديث، وهو أبان بن صالح بن عُمَير، أبو محمد القرشي، مولى [ق ٣] لهم، المكي، روى عنه ابن جُريج، وابن عجلان، وابن إسحاق، وعبيد الله بن أبي جعفر. استشهد بروايته البخاري في "صحيحه"٣ عن مجاهد والحسن بن مسلم وعطاء. وثَّقه يحيى بن معين، وأبو حاتم وأبو زُرعة الرَّازيان، والنسائي٤. وهو والدُ محمد بن أبان بن صالح بن عُمير الكوفي، الذي روى عنه أبو الوليد، وأبو داود الطيالسي، وحسين الجُعْفي وغيرهم. وجدُّ أبي عبد الرحمن مُشْكُدانة، شيخ مسلم، وكان حافظًا.
(١) في "المحلى": (١/ ١٩٨) لما ذكر هذا الحديث قال: أبان بن صالح ليس بالمشهور. وقال الحافظ ابن حجر بعد نقل تضعيف ابن عبد البر لأبان بن صالح، وكلام ابن حزم فيه: "وهذه غفلة منهما وخطأ تواردا عليه، فلم يضعّف أبان هذا أحدٌ قبلهما ... " اهـ. من "تهذيب التهذيب": (١/ ٨٢). وانظر"التلخيص الحبير": (١/ ١١٤).
(٢) هو: أبو بكر محمد بن حيدرة المعافري الشاطبي، من حفّاظ الحديث (ت ٥٠٥). له ردّ على المحلى لابن حزم، نقل منه ابن الملقن في "البدر المنير": (١/ ٢٩١، ٦٨٤، ٢/ ٦٢٣)، ولعلّ هذا النقل منه. ترجمته في "الصلة": (٢/ ٥٣٧)، و"السير": (١٩/ ٤٢١).
وأما الحديث؛ فإنه انفرد به محمد بن إسحاق، وليس هو ممن يحتجّ به في الأحكام١، فكيف أن يُعارَض بحديثه الأحاديث الصحاح أو يُنسَخ به السنن الثابتة؟ مع أن التأويل في حديثه ممكن، والمخرج منه مُعرَض. تم كلامه٢.
وهو ــ لو صح ــ حِكايةُ فِعْلٍ لا عمومَ لها، ولا يُعلَم هل كان في فضاء أو بنيان؟ وهل كان لعذر من ضيق مكان ونحوه، أو اختيارًا؟ فكيف يقدّم على النصوص الصحيحة الصريحة بالمنع؟
فإن قيل: فهب أن هذا الحديث معلول، فما يقولون في حديث عِراك عن عائشة: ذُكِر عند رسول الله ﷺ أن ناسًا يكرهون أن يستقبلوا بفروجهم القبلةَ، فقال رسول الله ﷺ: "أَوَ قَدْ فعلوها؟! استقْبِلوا بمَقْعَدتي القبلة"٣.
فالجواب: أن هذا حديثٌ لا يصح، وإنما هو موقوف على عائشة. حكاه الترمذي في كتاب "العلل"٤ عن البخاري. وقال بعض الحفاظ: هذا حديث لا يصح، وله علَّة لا يدركها إلا المعتنون بالصناعة، المعانون عليها،
(١) أسند ابنُ أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٧/ ١٩٣) عن الإمام أحمد أنه ذكر ابن إسحاق فقال: أما في المغازي وأشباهه فيُكتَب، وأما في الحلال والحرام فيحتاج إلى مثل هذا ــ ومدّ يدَه وضمّ أصابعه.
(٢) أي كلام ابن مُفَوّز. ومُعْرَض أي: ممكن.
(٣) أخرجه أحمد (٢٥٠٦٣)، وابن ماجه (٣٢٤)، والدارقطني: (١٦٣، ١٦٨) وغيرهم، من طريق خالد بن أبي الصلت، عن عراك به. وهو حديث ضعيف كما سيأتي من كلام المؤلف.