تهذيب السنن

أن التحريم كان من يومئذ.

وإذا ثبت هذا فأبو العاص بن الربيع إنما أسلم في زمن الهدنة بعد ما أخذت سرية زيد بن حارثة ما معه، فأتى المدينةَ فأجارته زينب، فأنفذ رسولُ الله ﷺ جوارها، ودخل عليها فقال: «أي بنيَّة، أكرمي مثواه، ولا يخلُصُ إليك، فإنك لا تحلين له»١. وكان هذا بعد نزول آية التحريم في الممتحنة.

ثم إن أبا العاص رجع إلى مكة، فأدَّى ما كان عنده من بضائع أهل مكة، ثم أسلم، وخرج إلى المدينة، فلم يطل الزمان بين إسلامه ونزول آية التحريم، فردَّها عليه بالنكاح الأول.

الثامن: أن حديث ابن عباس في قصته منسوخ، وسلك ذلك الطحاوي٢، وادَّعى أن النبيَّ ﷺ[ردَّها إليه]٣ بعد رجوعه من بدر حين أسِر، وروى في ذلك عن الزهري: «أنه أُخِذ أسيرًا يوم بدر، فأُتيَ به النبي ﷺ، فردَّ عليه ابنته»، ثم إن الله سبحانه حرم نكاح الكفار في قصة الممتحنة.

التاسع: ما حكاه٤ عن بعض أصحابهم في الجمع بين الحديثين، بأن عبد الله بن عَمرو علمَ تحريم نكاح الكافر، فلم يكن ذلك عنده إلا بنكاح جديد، فقال: «ردَّها عليه بنكاح جديد»، ولم يعلم ابنُ عباس بالتحريم، فقال: «ردَّها بالنكاح الأول»، لأنه لم يكن عنده بينهما فسخ نكاح.

  1. (١) أخرجه الحاكم: (٣/ ٢٣٦ - ٢٣٧)، والطبراني في «الكبير»: (٢٢/ ٤٢٦).
  2. (٢) في «شرح معاني الآثار»: (٣/ ٢٦٠).
  3. (٣) زيادة يتم بها السياق.
  4. (٤) يعني الطحاوي في كتابه السالف: (٣/ ٢٥٦)، وقد حكاه عن محمد بن الحسن الشيباني.
550

فهذه مجامع طرق الناس في هذا الحديث، أفْسَدُها هذان الأخيران، فإنهما غلط محض، والنبي ﷺ لم يردَّها على أبي العاص يومَ بدرٍ قطّ، وإنما الحديث في قصة بدر أن النبيَّ ﷺ أطلقَه وشَرَط عليه أن يردّ عليه ابنته، لأنها كانت بمكة، فلما أُسِر أبو العاص أطلقه بشرط أن يرسلها إلى أبيها، ففعل، ثم أسلم بعد ذلك بزمان في الهدنة. هذا هو المعروف الذي لا يشكُّ فيه من له علم بالمغازي والسير، وما ذكره١ عن الزهريِّ وقَتادة فمنقطع لا يثبت.

وأما المسلك التاسع، فمعاذ الله أن يُظَنّ بالصحابة أنهم يروون أخبارًا عن الشيء الواقع والأمر بخلافه، لظنهم واعتقادهم، وهذا لا يدخله إلا الصدق والكذب، فإنه إخبار عن أمر واقع مشاهَد، هذا يقول: «ردَّها بنكاحٍ جديد»، فهل يسوغ أن يخبر بذلك بناءً على اعتقاده من غير أن يشهدَ القصةَ أو تُروى له؟ وكذا مَن قال: «ردَّها بالنكاح الأول»؟

وكيف يُظنّ بعبد الله بن عَمرو أنه يروي عن النبي ﷺ عقدَ نكاحٍ لم يثبته ولم يشهده ولا حُكِي له؟! وكيف يُظنّ بابن عباس أن يقول: «ردّها بالنكاح الأول، ولم يُحْدِث شيئًا»، وهو لا يحيط علمًا بذلك؟! ثم كيف يشتبه على مثله نزول آية الممتحنة، وما تضمَّنته من التحريم قبل ردّ زينب على أبي العاص، ولو قُدِّر اشتباهه عليه في زمن النبيّ ﷺ لحداثة سنه، أفترى دام هذا الاشتباه عليه واستمرّ حتى يرويه كبيرًا، وهو شيخ الإسلام؟!

ومثل هذه الطرق لا يسلكها الأئمة، ولا يرضَى بها الحُذَّاق.

وأما تضعيف حديث داود بن الحُصين عن عكرمة، فمما لا يُلْتَفَتُ إليه.

  1. (١) أي الطحاوي.
551

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي