تهذيب السنن

فهذه مجامع طرق الناس في هذا الحديث، أفْسَدُها هذان الأخيران، فإنهما غلط محض، والنبي ﷺ لم يردَّها على أبي العاص يومَ بدرٍ قطّ، وإنما الحديث في قصة بدر أن النبيَّ ﷺ أطلقَه وشَرَط عليه أن يردّ عليه ابنته، لأنها كانت بمكة، فلما أُسِر أبو العاص أطلقه بشرط أن يرسلها إلى أبيها، ففعل، ثم أسلم بعد ذلك بزمان في الهدنة. هذا هو المعروف الذي لا يشكُّ فيه من له علم بالمغازي والسير، وما ذكره١ عن الزهريِّ وقَتادة فمنقطع لا يثبت.

وأما المسلك التاسع، فمعاذ الله أن يُظَنّ بالصحابة أنهم يروون أخبارًا عن الشيء الواقع والأمر بخلافه، لظنهم واعتقادهم، وهذا لا يدخله إلا الصدق والكذب، فإنه إخبار عن أمر واقع مشاهَد، هذا يقول: «ردَّها بنكاحٍ جديد»، فهل يسوغ أن يخبر بذلك بناءً على اعتقاده من غير أن يشهدَ القصةَ أو تُروى له؟ وكذا مَن قال: «ردَّها بالنكاح الأول»؟

وكيف يُظنّ بعبد الله بن عَمرو أنه يروي عن النبي ﷺ عقدَ نكاحٍ لم يثبته ولم يشهده ولا حُكِي له؟! وكيف يُظنّ بابن عباس أن يقول: «ردّها بالنكاح الأول، ولم يُحْدِث شيئًا»، وهو لا يحيط علمًا بذلك؟! ثم كيف يشتبه على مثله نزول آية الممتحنة، وما تضمَّنته من التحريم قبل ردّ زينب على أبي العاص، ولو قُدِّر اشتباهه عليه في زمن النبيّ ﷺ لحداثة سنه، أفترى دام هذا الاشتباه عليه واستمرّ حتى يرويه كبيرًا، وهو شيخ الإسلام؟!

ومثل هذه الطرق لا يسلكها الأئمة، ولا يرضَى بها الحُذَّاق.

وأما تضعيف حديث داود بن الحُصين عن عكرمة، فمما لا يُلْتَفَتُ إليه.

  1. (١) أي الطحاوي.
551

فإن هذه الترجمة صحيحة عند أئمة الحديث لا مطعَن فيها١، وقد صحَّح الإمامُ أحمد والبخاريُّ والناسُ حديثَ ابن عباس، وحكموا له على حديث عَمرو بن شعيب.

وأما حَمْلها على تطاول العِدّة فلا يخفى بعدُه.

وأما حمله على أنه ردَّها بنكاحٍ جديد مثل الأول، ففي غاية البعد، واللفظُ ينبو عنه.

وأما ردّه بكونه خلاف الإجماع ففاسد، إذ ليس في المسألة إجماع، والخلاف فيها أشهر، والحجةُ تفصِلُ بين الناس.

فليس القول في الحديث إلا أحد قولين: إما قول إبراهيم النخعي، وإما قول من يقول: إن التحريم لم يكن ثابتًا إلى حين نزول الممتحنة، فكانت الزوجية مستمرة قبل ذلك. فهذان المسلكان أجود ما سُلِك في الحديث. والله أعلم.

١٦ - باب فيمن أسلم وعنده نساء أكثر من أربع

١٨٥/ ٢١٤٩ - عن الحارث بن قيس الأسدي ﵁ قال: أسلمتُ وعندي ثمانُ نسوة، فذكرت ذلك للنبي ﷺ، فقال النبي ﷺ: «اختَرْ منهُنَّ أربعًا».

وفي رواية٢: «قيس بن الحارث»، وصوّبه بعضهم.

  1. (١) سبق نقل كلام من ضعّفها من الأئمة كعليّ بن المديني وغيره.
  2. (٢) رواها أبو داود عقب الرواية السابقة (٢٢٤١) من طريق شيخه أحمد بن إبراهيم الدَّورقي، وذكر أن أحمد بن إبراهيم قال: «هذا الصواب».
552

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي