ولكن سيف وسرّار ليسا بمعروفين بحمل الحديث وحفظه، وقال الدارقطني في كتاب «العلل»١ ــ وقد ذكر هذا الحديث ــ: تَفرّد به سيف بن عبيد الله الجرمي عن سرّار، وسرّار ثقة من أهل البصرة.
ومعلوم أن تفرد سيف بهذا مانع من الحكم بصحته، بل لو تفرد به من هو أجل من سيف لكان تفرّده علة. والله أعلم.
١٨٦/ ٢١٥٠ - وعن الضحاك بن فيروز عن أبيه ﵄ قال: قلت: يا رسول الله، إني أسلمت وتحتي أختان؟ قال: «طَلِّق أيَّتهما شئت».
وأخرجه الترمذي وابن ماجه٢، وقال الترمذي: حديث حسن.
وفي لفظ الترمذي: «اختر أيتهما شئت»، ولفظ ابن ماجه: «طلِّق» كما ذكره أبو داود.
قال ابن القيم ﵀: هذا الحديث يرويه أبو وهب الجَيْشاني، عن الضحّاك بن فَيْروز، عن أبيه. قال البخاري٣: في إسناد هذا الحديث نظر. ووجه قوله أن أبا وهب والضحاك مجهولٌ حالُهما، وفيه يحيى بن أيوب، ضعيف٤.
وقوله: «طلق أيتهما شئت» دليل على أنه إذا طلق واحدة لم يكن اختيارًا
(١) رقم (٢٩٩٧).
(٢) أبو داود (٢٢٤٣)، والترمذي (١١٣٠)، وابن ماجه (١٩٥١).
(٣) في «التاريخ الكبير» (٣/ ٢٤٨ - ٢٤٩).
(٤) هو يحيى بن أيوب الغافقي المصري، من رجال الجماعة، وهو صدوق سيئ الحفظ، قال أبو حاتم: محله الصدق، يكتب حديثه ولا يحتجّ به. وعدّ الذهبي هذا الحديث من مناكيره. انظر: «الرد على ابن القطان» (ص ٣٩).
لها كما قال أصحابنا١ وأصحاب الشافعي٢، قالوا: لأن الطلاق إنما يكون للزوجة لا للأجنبية، فإذا طلّقها كان دليلًا على استبقاء نكاحها. وهذا ضعيف جدًّا، فإن طلاقه لها إنما هو رغبة عنها وقطع لنكاحها، فكيف يكون اختيارًا؟! وهو لو قال: طلّقتُ هذه، وأمسكت أو اخترت هذه، جعلتم التي اختار إمساكها مفارقةً والتي اختار طلاقها مختارةً! وهذا معلوم أنه ضد مقصوده.
وأقصى ما في الباب أنه استعمل لفظ الطلاق في مفارقتها، والنبي ﷺ قال له: «فارق سائرهن»، والفراق أيضًا من صرائح الطلاق عندكم، فإذا قال: فارقت هذه، كان اختيارًا لها!
وهذا أحد الوجهين لهم. وإنما يكون مفارقًا لها إذا قال: فسخت نكاح هؤلاء، أو اخترت هؤلاء، ونحوه. وصاحب الشرع قد أمره بالفراق والطلاق، فإذا أتى باللفظ الذي أمره به كان ذلك فراقًا لا اختيارًا.
وأما قولهم: إن الطلاق لا يكون إلا في زوجة، قلنا: هذا ينتقض بالفسخ، وإنكم قد قلتم: لو فسخ نكاح إحداهن كان اختيارًا للباقية، ومعلوم أن الفسخ لا يكون إلا في زوجة، فما هو جوابكم في الفسخ هو الجواب في الطلاق.
وأيضًا، فالطلاق جُعِل عبارةً عن الفسخ، وإخراج المطلقة، واستبقاء الأخرى؛ فكأنه قال: أرسلت هذه وسَيَّبتها ونحوه، وأمسكت هذه.