لها كما قال أصحابنا١ وأصحاب الشافعي٢، قالوا: لأن الطلاق إنما يكون للزوجة لا للأجنبية، فإذا طلّقها كان دليلًا على استبقاء نكاحها. وهذا ضعيف جدًّا، فإن طلاقه لها إنما هو رغبة عنها وقطع لنكاحها، فكيف يكون اختيارًا؟! وهو لو قال: طلّقتُ هذه، وأمسكت أو اخترت هذه، جعلتم التي اختار إمساكها مفارقةً والتي اختار طلاقها مختارةً! وهذا معلوم أنه ضد مقصوده.
وأقصى ما في الباب أنه استعمل لفظ الطلاق في مفارقتها، والنبي ﷺ قال له: «فارق سائرهن»، والفراق أيضًا من صرائح الطلاق عندكم، فإذا قال: فارقت هذه، كان اختيارًا لها!
وهذا أحد الوجهين لهم. وإنما يكون مفارقًا لها إذا قال: فسخت نكاح هؤلاء، أو اخترت هؤلاء، ونحوه. وصاحب الشرع قد أمره بالفراق والطلاق، فإذا أتى باللفظ الذي أمره به كان ذلك فراقًا لا اختيارًا.
وأما قولهم: إن الطلاق لا يكون إلا في زوجة، قلنا: هذا ينتقض بالفسخ، وإنكم قد قلتم: لو فسخ نكاح إحداهن كان اختيارًا للباقية، ومعلوم أن الفسخ لا يكون إلا في زوجة، فما هو جوابكم في الفسخ هو الجواب في الطلاق.
وأيضًا، فالطلاق جُعِل عبارةً عن الفسخ، وإخراج المطلقة، واستبقاء الأخرى؛ فكأنه قال: أرسلت هذه وسَيَّبتها ونحوه، وأمسكت هذه.
وأيضًا، فإن النكاح لم تَزُل أحكامُه كلها بالإسلام، ولهذا قلتم: إن عدة المفارقات من حين الاختيار، لا من حين الإسلام على الصحيح، وعللتم ذلك [بأنهن]١ إنما بِنَّ منه بالاختيار لا بالإسلام، فالطلاق أَثَّر في قطعِ أحكام النكاح وإزالتها.
وأيضًا، فإن العبرة بالقصد والنية، وهو لم يرد قط بقوله «طلقت هذه» اختيارها، بل هذا قلب للحقائق!!
وأيضًا، فإن لفظ الطلاق لم يوضع للاختيار لغةً ولا شرعًا ولا عرفًا، ولا هو اصطلاح خاص له يريده بكلامه، فحمله على الاختيار ممتنع.
١٧ - باب في ادّعاء ولد الزنا
١٨٧/ ٢١٧١ - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «أن النبي ﷺ قَضَى أنَّ كل مُسْتَلْحَق استُلحِق بعد أبيه الذي يُدْعَى له ادَّعاه ورثته، فقضى أن كل من كان من أَمَةٍ يَملكها يومَ أصابها، فقد لَحِق بمن استلحقه، وليس له مما قُسم قبله من الميراث، وما أدرك من ميراث لم يُقسَم فله نصيبه، ولا يَلحَق إذا كان أبوه الذي يُدعَى له أنكره، وإن كان من أمَةٍ لم يملكها أو مِن حُرَّة عاهَر بها، فإنه لا يَلحق ولا يرث، وإن كان الذي يُدعَى له هو ادّعاه فهو ولد زِنْيةٍ، من حُرَّة كان أو أمة».
وفي رواية: «هو ولد زنا لأَهل أُمِّه مَن كانوا، حُرَّةً كانت أو أمَةً، وذلك فيما استُلحق في أول الإسلام، فما اقتُسم من مالٍ قبل الإسلام فقد مضى»٢.
(١) في هامش الأصل: «لعله بأنهن» استظهارًا، فظنّه ناسخ (ش) لحقا فأقحمه كلّه في النص هكذا: «ذلك لعله بأنهن إنما»!
(٢) رواه أبو داود (٢٢٦٥، ٢٢٦٦) من طرق عن محمد بن راشد، عن سليمان بن موسى الأشدق، عن عمرو بن شعيب، به.