وأيضًا، فإن النكاح لم تَزُل أحكامُه كلها بالإسلام، ولهذا قلتم: إن عدة المفارقات من حين الاختيار، لا من حين الإسلام على الصحيح، وعللتم ذلك [بأنهن]١ إنما بِنَّ منه بالاختيار لا بالإسلام، فالطلاق أَثَّر في قطعِ أحكام النكاح وإزالتها.
وأيضًا، فإن العبرة بالقصد والنية، وهو لم يرد قط بقوله «طلقت هذه» اختيارها، بل هذا قلب للحقائق!!
وأيضًا، فإن لفظ الطلاق لم يوضع للاختيار لغةً ولا شرعًا ولا عرفًا، ولا هو اصطلاح خاص له يريده بكلامه، فحمله على الاختيار ممتنع.
١٧ - باب في ادّعاء ولد الزنا
١٨٧/ ٢١٧١ - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «أن النبي ﷺ قَضَى أنَّ كل مُسْتَلْحَق استُلحِق بعد أبيه الذي يُدْعَى له ادَّعاه ورثته، فقضى أن كل من كان من أَمَةٍ يَملكها يومَ أصابها، فقد لَحِق بمن استلحقه، وليس له مما قُسم قبله من الميراث، وما أدرك من ميراث لم يُقسَم فله نصيبه، ولا يَلحَق إذا كان أبوه الذي يُدعَى له أنكره، وإن كان من أمَةٍ لم يملكها أو مِن حُرَّة عاهَر بها، فإنه لا يَلحق ولا يرث، وإن كان الذي يُدعَى له هو ادّعاه فهو ولد زِنْيةٍ، من حُرَّة كان أو أمة».
وفي رواية: «هو ولد زنا لأَهل أُمِّه مَن كانوا، حُرَّةً كانت أو أمَةً، وذلك فيما استُلحق في أول الإسلام، فما اقتُسم من مالٍ قبل الإسلام فقد مضى»٢.
(١) في هامش الأصل: «لعله بأنهن» استظهارًا، فظنّه ناسخ (ش) لحقا فأقحمه كلّه في النص هكذا: «ذلك لعله بأنهن إنما»!
(٢) رواه أبو داود (٢٢٦٥، ٢٢٦٦) من طرق عن محمد بن راشد، عن سليمان بن موسى الأشدق، عن عمرو بن شعيب، به.
وقد تقدم الكلام على عمرو بن شعيب. وروى عن عمرٍو هذا الحديث محمد بن راشد المكحولي، وفيه مقال١.
قال بعضهم٢: هذه أحكام وقعت في أول زمان الشريعة، وكان حدوثها ما بين الجاهلية وبين قيام الإسلام، كان لأهل الجاهلية إماء وهن البغايا اللواتي ذكرهن الله ﷿ في قوله: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾[النور: ٣٣]، إذ كانت السادة يلمُّون بهن، فإذا جاءت بولدٍ وكان سيِّدُها يطؤها وقد وطئها غيره بالزنا، فربما ادَّعاه الزاني وربّما ادّعاه السيد، فحكم ﷺ بالولد لسيِّدها، لأن الأمة فراش له، ونفاه عن الزاني ــ ثم ذكر الاستلحاق٣.
قال ابن القيم ﵀: وليس كما قال، فإن هذا القضاء إنما وقع بالمدينة بعد قيام الإسلام ومصيرها دارَ هجرة. وقد جعله النبي ﷺ على صور:
الصورة الأولى: أن يكون الولد من أَمَته التي في ملكه وقت الإصابة، فإذا استلحقه لحق به من حين استلحقه، وما قسم من ميراث قبل استلحاقه لم يُنقَض ويورَثْ منه المستلحِق، وما كان بعد استلحاقه من ميراثٍ لم يُقسَم ورث منه نصيبه، فإنه إنما تثبت بُنُوَّته من حين استلحقه، فلا تنعطف على ما
(١) كذا، ولم يروِه محمد بن راشد عن عمرٍو مباشرة، وإنما بينهما سليمان بن موسى الأشدق. ومحمد بن راشد ثقة صدوق في روايته، وإنما تكلِّم فيه لأنه كان يرى القدر. وسليمان في حديثه بعض اضطراب، وقد سبق الكلام فيه بالتفصيل في «باب لا نكاح إلا بولي».
(٢) هو الخطابي في «معالم السنن» (٣/ ١٧٣).
(٣) هذه الفقرة من كلام المنذري أثبتناه من مخ «المختصر» (النسخة البريطانية)، وهي ساقطة من المطبوع، وذكرها بذكر طرفيها فقال: «قال المنذري: هذه أحكام وقعت في أول زمان الشريعة، إلى أن قال: ثم ذكر الاستلحاق».