تهذيب السنن

قال ابن القيم ﵀: وقد أشكل هذا الحديث على كثير من الناس، مِن حيث إن النبي ﷺ أمر سودة بالاحتجاب منه، وقد ألحقه بزمعة فهو أخوها، ولهذا قال: «الولد للفراش»؛ قالوا: فكيف يكون أخاها في الحكم وتؤمر بالاحتجاب منه؟

فقال بعضهم: هذا على سبيل الورع لأجل الشبه الذي رآه بِعُتبة١.

وقال بعضهم: إنما جعله عبدًا لزمعة. قال: والرواية: «هو لك عبد»٢، فإنما جعله عبدًا لعبد بن زمعة لكونه رأى شبَهَه بعتبة، فيكون منه غير لاحق بواحدٍ منهما، فيكون عبدًا لعبد بن زمعة، إذ هو ولد زنا من جارية زمعة.

وهذا تصحيف منه وغلط في الرواية والمعنى، فإن الرواية الصحيحة: «هو لك يا عبدُ بنَ زمعة»، ولو صحّت رواية «هو لك عبد» فإنما هي على إسقاط حرف النداء، كقوله تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [يوسف: ٢٩]. ولا يتصور أن يجعله عبدًا له وقد أخبره أنه وُلد على فراش أبيه، ويحكم النبي ﷺ بأن الولد للفراش.

وهذه الزيادة التي ذكرها أبو داود وهي قوله: «هو أخوك يا عبد» ترفع الإشكال، ورجال إسنادها ثقات٣. ولو لم تأتِ فالحديث إنما يدل على إلحاقه بعبد أخًا له.

  1. (١) ط. الفقي: «بعينه»، وط. المعارف: «بعينيه»، كلاهما تصحيف.
  2. (٢) لم أعثر عليها.
  3. (٣) وقد وردت من طريقٍ آخر أيضًا في «صحيح البخاري» (٤٣٠٣).
566

وأما أمره سودةَ ــ وهي أخته ــ بالاحتجاب منه، فهذا يدل على أصلٍ وهو تبعيض أحكام النسب، فيكون أخاها في التحريم والميراث وغيره، ولا يكون أخًا في المحرمية والخلوة والنظر إليها؛ لمعارضة الشبه للفراش، فأعطى الفراشَ حكمه من ثبوت الحرمة وغيرها، وأعطى الشَّبَه حكمَه من عدم ثبوت المحرمية لسودة.

وهذا باب من دقيق العلم وسرّه لا يلحظه إلا الأئمة المطَّلِعون على أغواره، المَعنيّون بالنظر في مآخذ١ الشرع وأسراره. ومَن نبا فهمُه عن هذا وغلُظ عنه طبعه [ق ١٠٨] فلينظر إلى الولد من الرضاعة كيف هو ابن في التحريم، لا في الميراث ولا في النفقة ولا في الولاية.

وهذا ينفع في مسألة البنت المخلوقة من ماء الزاني، فإنها بنته في تحريم النكاح عليه عند الجمهور، وليست بنتًا في الميراث ولا في النفقة ولا في المحرمية.

وبالجملة: فهذا من أسرار الفقه، ومراعاة الأوصاف التي تترتب عليها الأحكام، وترتيب مقتضى كلِ وصفٍ عليه. ومن تأمل الشريعة أَطلعتْه من ذلك على أسرار وحِكَم تَبهَر الناظرَ فيها.

ونظير هذا: ما لو أقام شاهدًا واحدًا وحلف معه على سارق أنه سرق متاعه ثبت حكم السرقة في ضمان المال على الصحيح، ولم يثبت حكمها في وجوب القطع اتفاقًا. فهذا سارق من وجه دون وجهٍ، ونظائره كثيرة.

فإن قيل: فكيف تصنعون في الرواية التي جاءت في هذا الحديث: «واحتجبي منه يا سودة فإنه ليس لكِ بأخ»٢؟

قيل: هذه الزيادة لا يُعلم

  1. (١) قراءة الطبعتين: «مأخذ»، ولعل الأولى ما أثبت.
  2. (٢) أخرجه أحمد (١٦١٢٧)، والنسائي (٣٤٨٥)، والحاكم (٤/ ٩٧)، والبيهقي (٦/ ٨٧) من طريق مجاهد، عن يوسف بن الزبير (ولم يُذكر في رواية أحمد)، عن عبد الله بن الزبير.
    إسناده ضعيف، فيه يوسف بن الزبير، مجهول الحال. قال البيهقي: «إسناد هذا الحديث لا يقاوِم إسناد الحديث الأول؛ لأن الحديث الأول رواته مشهورون بالحفظ والفقه والأمانة، وعائشة ﵂ تخبر عن تلك القصة كأنها شهدتها، والحديث الآخر فيه من لا يُعرف بسببٍ يثبت به حديثه ــ وهو يوسف بن الزبير ــ، وعبد الله بن الزبير كأنه لم يشهد القصة لصغره» باختصار.
567

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي