أحدها: أنه لا سكنى لها ولا نفقة، وهي ظاهر مذهبه. وهذا قول علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وجابر، وعطاء، وطاوس، والحسن، وعكرمة، وميمون بن مهران١، وإسحاق بن راهويه٢، وأبي ثور، وداود بن علي٣، وأكثر فقهاء الحديث. وهو مذهب صاحبة القصة فاطمة بنت قيس، وكانت تناظر عليه.
[والثاني]٤: ويروى عن عمر وعبد الله بن مسعود: أن لها السكنى والنفقة٥.
وهو قول أكثر أهل العراق وقول ابن شُبْرُمة، وابن أبي ليلى، وسفيان الثوري، والحسن بن صالح، وأبي حنيفة وأصحابه٦، وعثمان البَتِّي، والعنبري٧.
(١) أخرج هذه الآثار عبد الرزاق (١٢٠٢٩ - ١٢٠٣٥)، وابن أبي شيبة (١٨٩٨٠، ١٨٩٩٢)، وسعيد بن منصور (١/ ٣٢١)، والبيهقي (٧/ ٤٧٤ - ٤٧٥).
(٢) «مسائل أحمد وإسحاق» برواية الكوسج (١/ ٣٧٩ - ٤٢٢).
(٣) نسبه إليهما ابن عبد البر في «الاستذكار» (٦/ ١٥٨، ١٦٧).
(٤) ساقط من الأصل، وسيأتي «والثالث:» بعد قليل. وزاده الفقي بلا تنبيه.
(٥) قول عمر أخرجه مسلم (١٤٨٠/ ٤٦). وقول ابن مسعود أخرجه ابن أبي شيبة (١٨٩٧٧)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٣/ ٦٨).
(٧) العنبري هو عبيد الله بن الحسن العنبري البصري القاضي (ت ١٦٨). وقول جميع المذكورين في «التمهيد» (١٩/ ١٤١)، و«المغني» (١١/ ٤٠٣). وفي نسبته إلى ابن أبي ليلى خلاف، فإن الشافعي حكى عنه أن لها السكنى وليس لها النفقة. انظر: «كتاب اختلاف العراقيين» (٨/ ٣٧٥ - ضمن الأم).
وحكاه أبو يعلى ابن القاضي في «مفرداته» روايةً عن أحمد، وهي غريبة جدًا.
والثالث: أن لها السكنى دون النفقة. وهذا قول مالك١ والشافعي٢، وفقهاء المدينة السبعة٣، وهو مذهب عائشة أم المؤمنين٤.
وأسعد الناس بهذا الخبر من قال به، وأنه لا نفقة لها ولا سكنى. وليس مع من ردّه حجة تقاومه ولا تقاربه.
قال ابن عبد البر٥: أما مِن طريق الحجة وما يلزم منها فقول أحمد بن حنبل ومن تابعه أصح وأرجح، لأنه ثبت عن النبي ﷺ نصًّا صريحًا؛ فأي شيء يعارِض هذا إلا مِثلُه عن النبي ﷺ الذي هو المبين عن الله مرادَه؟ ولا شيء يدفع ذلك، ومعلوم أنه أعلمُ بتأويل قول الله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾[الطلاق: ٦].
وأما قول عمر ومن وافقه، فقد خالفه علي وابن عباس ومن وافقهما، والحجة معهم. ولو لم يخالفهم أحد منهم لَما قُبِل قول المخالف لقول رسول الله ﷺ، فإن قول رسول الله ﷺ حجة على عمر وعلى غيره.
(٤) أخرج البخاري (٥٣٢١ - ٥٣٢٥) ومسلم (١٤٨٠/ ٤٠) أنها أنكرت على فاطمة بنت قيس حديثها. قال البيهقي: الأشبه أنها إنما أنكرت عليها النُقْلة من غير سبب، دون النفقة. «السنن الكبرى» (٧/ ٤٧٦) باختصار. يؤيّد ذلك قول فاطمة بنت قيس: «فكيف تقولون: لا نفقة لها إذا لم تكن حاملًا، فعلامَ تحبسونها؟» رواه مسلم (١٤٨٠/ ٤١).