فإن السياق كله إنما هو في الرجعية. يبين ذلك [ق ١٠٩] قولُه١: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾[الطلاق: ١]، وقولُه: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾[الطلاق: ٢] وهذا في البائن مستحيل. ثم قال: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾[الطلاق: ٦]، فاللاتي قال فيهن: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ قال فيهن ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ و﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾، وهذا ظاهر جدًّا.
وشبهة من ظن أن الآية في البائن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾[الطلاق: ٦]، قالوا: ومعلوم أن الرجعية لها النفقة حاملًا كانت أو حائلًا. وهذا لا حجة فيه، فإنه إذا أوجب نفقتها حاملًا لم يدل ذلك على أنه لا نفقة لها إذا كانت حائلًا، بل فائدة التقييد بالحمل التنبيه على اختلاف جهة الإنفاق بسبب الحمل قبل الوضع وبعده، فقبل الوضع لها النفقة حتى تضعه، فإذا وضعته صارت النفقة بحكم الإجارة ورضاعة الولد، وهذه قد يقوم غيرُها مقامها فيه فلا تستحقها لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾[الطلاق: ٦]، وأما النفقة حال الحمل فلا يقوم غيرها مقامها فيه، بل هي مستمرة حتى تضعه، فجهة الإنفاق مختلفة.
وأما الحائل فنفقتها معلومة من نفقة الزوجات، فإنها زوجة ما دامت في العدة فلا حاجة إلى بيان وجوب نفقتها. وأما الحامل فلما اختلفت جهة النفقة عليها قبل الوضع وبعده، ذكر سبحانه الجِهَتين والسببين. وهذا من أسرار القرآن ومعانيه التي يختص الله بفهمها من يشاء.
(١) طبعة المعارف: «في قوله»، خطأ.
وأيضًا فلو كان قوله: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ في البوائن لكان دليلًا ظاهرًا على أن الحائل البائن لا نفقة لها لاشتراط الحمل في وجوب الإنفاق، والحكم المعلق بالشرط عدمٌ عند عدمه.
وأما آية السكنى فلا يقول أحد إنها مختصة بالبائن، لأن السياق يخالفه ويبين أن الرجعية مرادة منها. فإما أن يقال: هي مختصة بالرجعية كما يدل عليه سياق الكلام وتتحد الضمائر ولا تختلف مفسّراتها، بل يكون مفسّر قوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾[الطلاق: ٢] هو مفسر قوله ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾، وعلى هذا فلا حجة في سكنى البائن.
وإما أن يقال: هي عامة للبائن والرجعية، وعلى هذا فلا يكون حديث فاطمة منافيًا للقرآن، بل غايته أن يكون مخصّصًا لعمومه، وتخصيص القرآن بالسنة جائز واقع؛ هذا لو كان قوله: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ عامًّا، فكيف ولا يصح فيه العموم لما ذكرناه.
وقول النبي ﷺ: «لا نفقة لك ولا سكنى»١. وقوله في اللفظ الآخر: «إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها الرجعة» رواه الإمام أحمد والنسائي٢، وإسناده صحيح.
(١) رواه مسلم (١٤٨٠/ ٣٧).
(٢) أحمد (٢٧٣٤٤) من طريق مجالد بن سعيد، والنسائي (٣٤٠٣) من طريق سعيد بن يزيد الأحمسي، كلاهما عن الشعبي، عن فاطمة بنت قيس. ومجالد فيه لين، وقد تابعه سعيد الأحمسي، قال عنه أبو نعيم الفضل بن دُكين ــ كما في «المعرفة والتأريخ» (٣/ ٢٣٧) ــ وابن معين: كوفي ثقة. وله طريق ثالث عند البيهقي (٧/ ٤٧٣) من رواية فراس بن يحيى ــ وهو ثقة أيضًا ــ عن الشعبي. على أن هذا اللفظ لم يرد في أكثر طرق الحديث ورواياته، ولذا ضعّفه البيهقي وابن القطان. انظر: «بيان الوهم» (٤/ ٤٧٢ - ٤٧٧).