تهذيب السنن

فقد تبين أنه ليس في السنة ما يعارض حديث فاطمة، كما أنه ليس في [ق ١١٠] الكتاب ما يعارضه. وفاطمة امرأة جليلة من فقهاء الصحابة غير متّهمَة في الرواية.

وما يرويه بعض الأصوليين: «لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت؟» غلط، ليس في الحديث١،

وإنما الذي في الحديث: «حفظت أو٢ نسيت؟» هذا لفظ مسلم.

قال هشيم عن إسماعيل بن أبي خالد أنه ذكر عند الشعبي قول عمر هذا: «حفظت أم نسيت؟»، فقال الشعبي: امرأة من قريش ذات عقل ورأي

  1. (١) من أوائل مَن ذكره من الأصوليين: أبو زيد الدَّبوسي الحنفي (ت ٤٣٠) في «تقويم الأدلة» (ص ١٨٣)، وأبو الحسين البصري المعتزلي (ت ٤٣٦) في «المعتمد» (٢/ ٥٩٤)، ثم تتابع الأصوليون بعدهما، كأبي إسحاق الشيرازي والبزدوي والسرخسي والغزالي والرازي والآمدي في آخرين، على ذكره في مؤلفاتهم الأصولية، في مبحث نسخ المتواتر بالآحاد، أو في مبحث قبول خبر الواحد.
    ولهذا الغلط أصل في بعض كتب الرواية:
    - رواه أبو يوسف في كتاب «الآثار» (٦٠٨) من طريق أبي حنيفة، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن عمر باللفظ المذكور. ولا يصحّ، فإن من دون إبراهيم فيهم لين، ولفظه منكر مخالف لرواية مغيرة الضبّي ــ وهو ثقة متقن ــ عن إبراهيم بلفظ: «لا ندري أحفظت أم نسيت»، أخرجه الترمذي (١١٨٠).
    - رواه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٣/ ٦٧) من طريق آخر بلفظ: «لا ندري لعلها كذبت»، وهو عند مسلم من نفس الطريق بلفظ: «لعلها حفظت أو نسيت»، فالغلط إما من الطحاوي أو شيخه أبي بكرة بكّار بن قتيبة القاضي.
  2. (٢) في الأصل: «أم»، ولعله تصحيف ما أثبته من «صحيح مسلم» (١٤٨٠/ ٤٦).
578

تنسى قضاء قضي به عليها؟ قال: وكان الشعبي يأخذ بقولها١.

وقال ميمون بن مهران ــ لسعيد بن المسيب لمّا قال٢: تلك امرأة فتنت الناس ــ: لئن كانت إنما أخذت بما أفتاها رسول الله ﷺ ما فتنت الناس، وإن لنا في رسول الله أسوة حسنة٣.

ثم ردُّ خبرها بأنها امرأة مما لا يقول به أحد، وقد أخذ الناس برواية من هو دون فاطمة، وبخبر الفُرَيعة٤ وهي امرأة، وبحديث النساء كأزواج النبي ﷺ وغيرهن من الصحابة.

بل قد احتج العلماء بحديث فاطمة هذا بعينه في أحكام كثيرة:

منها: نظر المرأة إلى الرجل، ووضعها ثيابها في الخلوة، وجواز الخطبة على خطبة الغير إذا لم تُجبه المرأة ولم تسكن إليه، وجواز نكاح القرشية لغير القرشي، ونصيحة الرجل لمن استشاره في أمرٍ يعيب من استشاره فيه وأن ذلك ليس بغِيبة.

ومنها: الإرسال بالطلاق في الغَيبة.

ومنها: التعريض بخطبة المعتدة البائن بقوله: لا تفوّتيني بنفسك.

  1. (١) علّقه البيهقي في «معرفة السنن» (١١/ ٢٩٠) بتمامه، ورواه سعيد بن منصور في «السنن» (١/ ٣٢١) وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (٦/ ٩) دون قوله: «قال: وكان الشعبي يأخذ بقولها».
  2. (٢) «لمّا قال» ساقط من ط. الفقي، فاختل المعنى.
  3. (٣) رواه ابن عبد البر في «التمهيد» (١٩/ ١٤٧).
  4. (٤) سيأتي في الباب القادم.
579

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي