تهذيب السنن

تنسى قضاء قضي به عليها؟ قال: وكان الشعبي يأخذ بقولها١.

وقال ميمون بن مهران ــ لسعيد بن المسيب لمّا قال٢: تلك امرأة فتنت الناس ــ: لئن كانت إنما أخذت بما أفتاها رسول الله ﷺ ما فتنت الناس، وإن لنا في رسول الله أسوة حسنة٣.

ثم ردُّ خبرها بأنها امرأة مما لا يقول به أحد، وقد أخذ الناس برواية من هو دون فاطمة، وبخبر الفُرَيعة٤ وهي امرأة، وبحديث النساء كأزواج النبي ﷺ وغيرهن من الصحابة.

بل قد احتج العلماء بحديث فاطمة هذا بعينه في أحكام كثيرة:

منها: نظر المرأة إلى الرجل، ووضعها ثيابها في الخلوة، وجواز الخطبة على خطبة الغير إذا لم تُجبه المرأة ولم تسكن إليه، وجواز نكاح القرشية لغير القرشي، ونصيحة الرجل لمن استشاره في أمرٍ يعيب من استشاره فيه وأن ذلك ليس بغِيبة.

ومنها: الإرسال بالطلاق في الغَيبة.

ومنها: التعريض بخطبة المعتدة البائن بقوله: لا تفوّتيني بنفسك.

  1. (١) علّقه البيهقي في «معرفة السنن» (١١/ ٢٩٠) بتمامه، ورواه سعيد بن منصور في «السنن» (١/ ٣٢١) وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (٦/ ٩) دون قوله: «قال: وكان الشعبي يأخذ بقولها».
  2. (٢) «لمّا قال» ساقط من ط. الفقي، فاختل المعنى.
  3. (٣) رواه ابن عبد البر في «التمهيد» (١٩/ ١٤٧).
  4. (٤) سيأتي في الباب القادم.
579

ومنها: احتجاج الأكثرين به على سقوط النفقة للمبتوتة التي ليست بحامل.

فما بال حديثها محتجًّا به في هذه الأحكام دون سقوط السكنى؟! فإن كانت حفظته فهو حجة في الجميع، وإن لم يكن محفوظًا لم يَجُز أن يحتج به في شيء. والله أعلم.

وقال الشافعي في القديم١: فإن قال قائل: فإن عمر بن الخطاب اتهم حديث فاطمة بنت قيس وقال: «لا ندع كتاب ربنا لقول امرأة». قلنا: لا نعرف أن عمر اتهمها، وما كان في حديثها ما تُتَّهم له، ما حدَّثتْ إلا بما يجب، وهي امرأة من المهاجرين لها شرف وعقل وفضل. ولو رُدَّ شيء من حديثها كان إنما يرد منه أنه أمرَها بالخروج من بيت زوجها، فلم تذكر هي: لِمَ أُمرتْ بذلك؟ وإنما أمرت به لأنها استطالت على أحمائها، فأُمرت بالتحول عنهم للشر بينها وبينهم، فكأنهم أحبّوا لها ذكر السبب الذي له أُخرجت، لئلا يذهب ذاهب إلى أن النبي ﷺ قضى أن تعتد المبتوتة حيث شاءت في غير بيت زوجها.

وهذا الذي ذكره الشافعي هو تأويل عائشة بعينه، وبه أجابت مروان لما احتج عليها بالحديث، كما تقدم. ولكن هذا التأويل مما لا يصلح دفعُ الحديث به من وجوه:

أحدها: أنه ليس بمذكور في القصة، ولا عُلِّق عليه الحكم قط، لا باللفظ ولا بالمفهوم، وإن كان واقعًا فتعليق الحكم به تعليقٌ على وصفٍ لم

  1. (١) نقله البيهقي في «معرفة السنن» (١١/ ٢٩٠ - ٢٩١).
580

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي