وأما قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾[البقرة: ٢٤٠]، وأنها٢ نسخت الاعتداد في منزل الزوج= فالمنسوخ حكم آخر غير الاعتداد في المنزل، وهو استحقاقها للسكنى في بيت الزوج الذي صار للورثة سنةً، وصيةً أوصى الله بها الأزواج تُقدَّم به على الورثة، ثم نسخ ذلك بالميراث ولم يبق لها استحقاق في السكنى المذكورة، فإن كان المنزل الذي توفي فيه الزوج لها أو بَذل الورثة لها السكنى لزمها الاعتداد فيه، وهذا ليس بمنسوخ، فالواجب عليها فعل السكنى لا تحصيل المسكن، فالذي نسخ إنما هو اختصاصها بسكنى السنة دون الورثة، والذي أمرت به أن تمكث في بيتها حتى تنقضي عدتها، ولا تنافي بين الحكمين. والله أعلم.
(١) حديث فريعة هو أن زوجها خرج في طلب أعلاج له أَبَقُوا، فقُتل بطرف القَدُوم ــ وهو موضع ماءٍ ــ قالت: فأتيتُ النبي ﷺ فذكرت ذلك له من حالي، وذكرت له النُّقْلة إلى إخوتي، فرخّص لي، فلمّا جاوزتُ ناداني فقال: «امكُثي في بيتكِ حتى يبلغ الكتاب أجله». أخرجه مالك (١٧٢٩)، وأحمد (٢٧٠٨٧)، وأبو داود (٢٣٠٠)، والترمذي (١٢٠٤)، والنسائي (٣٥٢٨ - ٣٥٣٠)، وابن حبان (٤٢٩٢)، والحاكم (٢/ ٢٠٨)، كلهم من طريق سعد بن إسحاق بن كعب، عن عمّته زينب بنت كعب بن عُجرة، عن الفُرَيعة بنت مالك بن سنان أخت أبي سعيد الخدري، مختصرًا ومطوّلًا. قال الترمذي: «حسن صحيح»، وصححه ابن حبان، وقال الحاكم: «صحيح الإسناد» ونقل عن محمد بن يحيى الذُّهلي تصحيحه. وضعَّفه ابن حزم في «المحلَّى» (١٠/ ٣٠٢) بجهالة زينب بنت كعب.
(٢) في الأصل والطبعتين: «فإنها»، تصحيف يفسد المعنى.
٢٢ - باب في عدة الحامل
١٩٨/ ٢٢١١ - وعن عبد الله ــ وهو ابن مسعود ــ ﵁ قال: «من شاء لاعَنْتُه، لَأُنزِلَتْ سورة النساءِ القُصْرَى بعد الأربعة الأشهرِ وعشرًا».
وأخرجه النسائي وابن ماجه١.
قال ابن القيم ﵀: وهذا يدل على أن ابن مسعود يرى نسخ الآية في البقرة بهذه الآية التي في الطلاق وهي قوله: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾[الطلاق: ٤]. وهذا على عرف السلف في النسخ، فإنهم يسمّون التخصيص والتقييد نسخًا.
وفي القرآن ما يدل على تقديم آية الطلاق في العمل بها، وهو أن قوله تعالى: ﴿أَجَلُهُنَّ﴾ مضاف ومضاف إليه، وهو يفيد العموم، أي هذا مجموع أجَلِهن، لا أجل لهن غيره. وأما قوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾[البقرة: ٢٣٤] فهو فِعل مُطلَق لا عموم له، فإذا عُمل به في غير الحامل كان تقييدًا لمطلقه بآية الطلاق؛ فالحديث مطابق للمفهوم من دلالة القرآن. والله أعلم.
٢٣ - باب في عدة أم الولد
١٩٩/ ٢٢١٢ - عن عمرو بن العاص ﵁ قال: «لا تَلبِسوا علينا سنَّة نبينا ﷺ، عدَّة المتوفَّى عنها: أربعة أشهرٍ وعشرًا ــ يعني أمَّ الولد ــ».
وأخرجه ابن ماجه٢. وفي إسناده مطر بن طَهْمان أبو رَجاء الورّاق، وقد
(١) أبو داود (٢٣٠٧)، والنسائي (٣٥٢٢)، وابن ماجه (٢٠٣٠).
(٢) أبو داود (٢٣٠٨)، وابن ماجه (٢٠٨٣)، من طريق مطر الوراق، عن رجاء بن حَيْوَة، عن قَبيصة بن ذُؤيب، عن عمرو بن العاص.