قال الترمذي: وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث فقال: إن معنى هذا الصومُ والفطر مع الجماعة وعُظْم الناس.
وقال الخطابي٢ في معنى الحديث: إن الخطأ مرفوع عن الناس فيما كان سبيله الاجتهاد، فلو أن قومًا اجتهدوا، فلم يروا الهلال إلا بعد الثلاثين، فلم يفطروا حتى استوفوا العدد، ثم ثبت عندهم أن الشهر كان تسعًا وعشرين، فإن صومهم وفطرهم ماض، لا شيء عليهم من وِزرٍ أو عَنَت٣، وكذلك في الحج إذا أخطأوا يوم عرفة، ليس عليهم إعادة.
وقال غيره: فيه الإشارة إلى أن يوم الشك لا يصام احتياطًا، وإنما يصام يوم يصوم الناس.
وقيل: فيه الرد على من يقول: إن من عرف طلوع القمر بتقدير حساب المنازل جاز له أن يصوم به ويفطر، دون من لم يعلم.
وقيل: إن الشاهد الواحد إذا رأى الهلال ولم يحكم القاضي بشهادته أنه لا يكون هذا له صومًا، كما لم يكن للناس. آخر كلامه٤.
(١) . نقله ابن أبي حاتم في «المراسيل» (ص ١٨٩)، وهذه الفقرة ساقطة من ط. الفقي.
(٢) . «معالم السنن» (٣/ ٢١٣).
(٣) . كذا في مطبوعة «المعالم»، وفي مخطوطة «المختصر»: «عَتَب»، وفي الأصل محتمل.
(٤) . أي المنذري، ويبدأ كلامه من: «قال الترمذي»، وليس في مطبوعة «المختصر»، وهو ثابت في المخطوط (النسخة البريطانية)، وكأن المجرد ظنَّه من زيادات ابن القيم على كلام المنذري فأثبته.
وفيه دليل على أن المنفرد بالرؤية لا يلزمه حكمها، لا في الصوم ولا في الفطر ولا في التعريف.
٤ - باب إذا أُغْمِي الشهرُ
٢٠٣/ ٢٢٢٩ - وعن حذيفة ــ وهو ابن اليَمَان ــ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تَقدَّمُوا الشهرَ حتى تَرَوُا الهلال، أو تكملوا العدة، ثم صوموا حتى تروا الهلال، أو تكملوا العدة».
وأخرجه النسائي١ مسندًا ومرسلًا، وقال٢: لا أعلم أحدًا من أصحاب منصور قال في هذا الحديث «عن حذيفة» غيرَ جرير ــ يعني ابن عبد الحميد ــ.
وقال البيهقي٣: وصله جرير عن منصور، فذكر حذيفة فيه، وهو ثقة حجة. ورواه الثوري وجماعة عن منصور، عن رِبْعِيٍّ، عن بعض أصحاب النبي ﷺ.
قال ابن القيم ﵀: هذا الحديث وَصْلُه صحيح، فإن الذين وصلوه أوثق وأكثر من الذين أرسلوه، والذي أرسله هو الحجاج بن أرطاة عن منصور. وقول النسائي: لا أعلم أحدًا قال في هذا الحديث «عن حذيفة» غير جرير، إنما عَنَى تسميةَ الصحابي، وإلا فقد رواه الثوري وغيره [عن
(١) . أبو داود (٢٣٢٦)، والنسائي (٢١٢٦) مسندًا و(٢١٢٨) مُرسلًا.
(٢) . ليس في مطبوعة «الكبرى»، وقد ذكره المزِّي في «التحفة» (٣/ ٢٨)، وللبزار كلام بنحوه في «مسنده» عقب الحديث (٢٨٥٦).