ورسوله. ولا يجوز أن يُقَوَّل رسولُ الله ﷺ ما لم يقله، والصحابي إنما يقول ذلك استنادًا منه إلى دليل فَهِم منه أن مخالفة مقتضاه معصية، ولعله لو ذكر ذلك الدليل لكان له محمل غيرَ ما ظنّه، فقد كان الصحابة يخالف بعضهم بعضًا في كثير من وجوه دلالة النصوص.
٨ - باب في كراهية ذلك١
٢٠٧/ ٢٢٣٧ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا انتَصَفَ شعبانُ فلا تصوموا».
وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه٢. وقال الترمذي: حسن صحيح، ومعنى هذا الحديث عند بعض أهل العلم: أن يكون الرجل مُفطرًا، فإذا بقي من شعبان شيء أخذ في الصوم لحال شهر رمضان. آخر كلامه٣.
قال ابن القيم ﵀: الذين رَدُّوا هذا الحديث لهم مأخذان:
أحدهما: أنه لم يتابِع العلاءَ عليه أحد، بل انفرد به عن الناس٤.
(١) . بعده في الأصل: «يعني وصل شعبان برمضان»، والظاهر أنه من توضيح المجرّد، فالباب الذي سبقه في «السنن» و«المختصر» هو «باب فيمن يصل شعبان برمضان»، ولم يَرِد في «التجريد».
(٢) . أبو داود (٢٣٣٧)، والترمذي (٧٣٨)، والنسائي في «الكبرى» (٢٩٢٣)، وابن ماجه (١٦٥١).
(٣) . كلام الترمذي من قوله: «ومعنى هذا الحديث ...» إلخ ذكره المجرِّد ونسبه إلى «مختصر المنذري»، مع أنه ليس في مطبوعته ولا مخطوطه، والظاهر أن إتمام النقل لكلام الترمذي من زيادة المؤلف.
(٤) . قال الترمذي: لا نعرفه إلا من هذا الوجه على هذا اللفظ. وقال النسائي: لا نعلم أحدًا روى هذا الحديث غير العلاء بن عبد الرحمن.
وكيف لا يكون هذا معروفًا عند أصحاب أبي هريرة مع أنه أمر تعمّ به البلوى ويتّصل به العمل؟!
والمأخذ الثاني: أنهم ظنوه معارضًا لحديث عائشة١ وأم سلمة٢ في صيام النبي ﷺ شعبان كله، أو إلا قليلًا منه، وقوله «إلا أن يكون لأحدكم صوم فليصمه»، وسؤاله للرجل عن صوم سرر شعبان. قالوا: وهذه الأحاديث أصح منه.
وربما ظن بعضهم أن هذا الحديث لم يسمعه العلاء من أبيه.
وأما المصححون له فأجابوا عن هذا بأنه ليس فيه ما يقدح في صحته، وهو حديث على شرط مسلم، أخرج في «صحيحه» عدة أحاديث عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة. وتفرُّدُه به تفرد ثقةٍ بحديث مستقل، وله عدة نظائر في «الصحيح».
قالوا: والتفرد الذي يعلل به: تفرُّدُ الرجل عن الناس بوَصْلِ ما أرسلوه، أو رفعِ ما وقفوه، أو زيادةِ لفظةٍ لم يذكروها. وأما الثقة العدل إذا روى حديثًا وتفرد به لم يكن تفرُّدُه علةً، فكم قد تفرد الثقات بسننٍ عن النبي ﷺ عملت بها الأمة؟
قالوا: وأما ظن معارضته بالأحاديث الدالة على صيام شعبان، فلا
(١) . أخرجه البخاري (١٩٧٠) ومسلم (١١٥٦).
(٢) . أخرجه أحمد (٢٦٥٦٢، ٢٦٦٥٣)، وأبو داود (٢٣٣٦)، والترمذي (٧٣٦) والنسائي (٢١٧٥)، قال الترمذي: حديث حسن، وقال في «الشمائل» (٣٠١): هذا إسناد صحيح.