وكيف لا يكون هذا معروفًا عند أصحاب أبي هريرة مع أنه أمر تعمّ به البلوى ويتّصل به العمل؟!
والمأخذ الثاني: أنهم ظنوه معارضًا لحديث عائشة١ وأم سلمة٢ في صيام النبي ﷺ شعبان كله، أو إلا قليلًا منه، وقوله «إلا أن يكون لأحدكم صوم فليصمه»، وسؤاله للرجل عن صوم سرر شعبان. قالوا: وهذه الأحاديث أصح منه.
وربما ظن بعضهم أن هذا الحديث لم يسمعه العلاء من أبيه.
وأما المصححون له فأجابوا عن هذا بأنه ليس فيه ما يقدح في صحته، وهو حديث على شرط مسلم، أخرج في «صحيحه» عدة أحاديث عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة. وتفرُّدُه به تفرد ثقةٍ بحديث مستقل، وله عدة نظائر في «الصحيح».
قالوا: والتفرد الذي يعلل به: تفرُّدُ الرجل عن الناس بوَصْلِ ما أرسلوه، أو رفعِ ما وقفوه، أو زيادةِ لفظةٍ لم يذكروها. وأما الثقة العدل إذا روى حديثًا وتفرد به لم يكن تفرُّدُه علةً، فكم قد تفرد الثقات بسننٍ عن النبي ﷺ عملت بها الأمة؟
قالوا: وأما ظن معارضته بالأحاديث الدالة على صيام شعبان، فلا
(١) . أخرجه البخاري (١٩٧٠) ومسلم (١١٥٦).
(٢) . أخرجه أحمد (٢٦٥٦٢، ٢٦٦٥٣)، وأبو داود (٢٣٣٦)، والترمذي (٧٣٦) والنسائي (٢١٧٥)، قال الترمذي: حديث حسن، وقال في «الشمائل» (٣٠١): هذا إسناد صحيح.
معارضة بينهما، فإن تلك الأحاديث تدل على صوم نصفه مع ما قبله، وعلى الصوم المعتاد في النصف الثاني، وحديثُ العلاء يدل على المنع من تعمد الصوم بعد النصف لا لعادةٍ ولا مضافًا إلى ما قبله، ويشهد له حديث التقدُّم١.
وأما كون العلاء لم يسمعه من أبيه، فهذا لم نعلم أن أحدًا علّل به الحديث، فإن العلاء قد ثبت سماعه من أبيه، وفي «صحيح مسلم» عن العلاء عن أبيه بالعنعنة غير حديث٢. وقد قال .....٣: لقيت العلاء بن عبد الرحمن وهو يطوف، فقلت له: بِرَبِّ هذا البيت، حدّثك أبوك عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: إذا انتصف شعبان فلا تصوموا؟ فقال: ورب هذا البيت سمعتُ أبي يحدث عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ــ فذكره ــ٤.
٩ - باب في شهادة الواحد على رؤية هلال رمضان
٢٠٨/ ٢٢٤٠ - عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: إني رأيتُ الهلال ــ قال الحسن (وهو الحُلواني) في حديثه: يعني رمضان ــ فقال: «أتشهد أن لا إله إلا الله؟» قال: نعم، قال: «أتشهد أن محمدًا
(١) . أي حديث: «لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين» المتفق عليه.
(٢) . انظر على سبيل المثال الأحاديث برقم (٤٦، ١٠٢، ١٢٥، ٢٤٩، ١٣٨٠، ١٦٣١، ٢٥٨٩، ٢٩٩٤).
(٣) . بياض في الأصل قدر ثلاث كلمات.
(٤) . لم أقف على هذه القصة، ولكن هناك ما يشابهها، وهو ما ورد في رواية أبي داود (٣٣٧) أن عبّاد بن كثير قدم المدينة، فمال إلى مجلس العلاء فأخذ بيده فأقامه ثم قال: اللهم إن هذا يحدّث عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال ... (فذكره)، فقال العلاء: اللهم إن أبي حدثني عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بذلك.