قال ابن القيم ﵀: هذا الحديث أعلّه ابن القطان١ بأنه مشكوك في اتصاله، قال: لأن أبا داود قال: حدثنا عبدُ الأعلى بن حمّاد، أظنه عن حماد٢، عن محمد بن عمرو، عن [أبي سلمة، عن] أبي هريرة، فذكره.
وقد روى النسائي٣ عن زِرّ قال: «قلنا لحذيفة: أيَّ ساعة تسحّرتَ مع رسول الله ﷺ؟ قال: هو النهار، إلا أن الشمس لم تطلع».
وقد اختُلف في هذه المسألة، فروى إسحاق بن راهويه٤ عن وكيع أنه سمع الأعمش يقول: «لو لا الشُّهْرة لصليت الغداة ثم تسحرت». ثم ذكر إسحاق عن أبي بكر الصديق وعلي وحذيفة نحو هذا٥، ثم قال: وهؤلاء لم يَرَوا فرقًا بين الأكل وبين الصلاة المكتوبة. آخر كلام إسحاق.
وقد حكي ذلك عن ابن مسعود أيضًا٦.
(١) . «بيان الوهم والإيهام» (٢/ ٢٨٢).
(٢) . ذكر ابن القطان أنه هكذا في رواية ابن الأعرابي. أما نسخ رواية اللؤلؤي ففيها: «حدثنا حماد». وعلى كل حال، فشك عبد الأعلى بن حماد ليس بضائر، فإنه قد تابعه في الرواية عن حماد بن سلمة: رَوح بن عبادة عند أحمد (١٠٦٢٩)، وعفّان بن مسلم وعبد الواحد بن غياث عند الحاكم (١/ ٢٠٣). وإنما علّته غير هذا، فقد أعلّه أبو حاتم بالوقف. انظر: «العلل» لابنه (٣٤٠).
(٣) . رقم (٢١٥٢) من طريق عاصم بن بهدلة، عن زر، عن حذيفة. وسيأتي الكلام عليه.
(٤) . ورواه أيضًا أحمد في «العلل» لابنه (٢٩٤) و«مسائله» برواية صالح (٢/ ٤٤٥)، ورواه الخطيب في «الفقيه والمتفقه» (١/ ٣٨٩) من طريق آخر عن وكيع.
(٥) . وأخرج آثارهم أيضًا عبد الرزاق (٧٦١٨، ٧٦٠٩، ٧٦٠٦)، وابن أبي شيبة (٩٠٢٢، ٩٠٢٣، ٩٠٢٨)، والطبري في «تفسيره» (٣/ ٢٥٤ - ٢٥٦).
(٦) . أخرجه عبد الرزاق (٧٦١٩)، وابن أبي شيبة (٩٠٢٤)، والطبري (٣/ ٢٥٥).
وذهب الجمهور إلى امتناع السحور بطلوع الفجر، وهو قول الأئمة الأربعة وعامَّةِ فقهاء الأمصار١، وروي معناه عن عمر وابن عباس٢.
واحتج الأولون بقول النبي ﷺ: «فكلوا واشربوا حتى يؤذّن ابنُ أم مكتوم» ولم يكن يؤذن إلا بعد طلوع الفجر. كذا في البخاري٣. وفي بعض الروايات٤: «وكان رجلا أعمى لا يؤذن حتى يقال: أصبحتَ أصبحتَ!». قالوا: وإن النهار إنما هو من طلوع الشمس.
واحتج الجمهور بقوله تعالى ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾[البقرة: ١٨٧]، وبقول النبي ﷺ: «كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم»، وبقوله: «الفجر فجران، فأما الأول فإنه لا يُحرِّم الطعامَ ولا يُحِل الصلاة، وأما الثاني فإنه يُحرِّم الطعام ويحل الصلاة» رواه البيهقي في «سننه»٥.
قالوا: وأما حديث حذيفة فمعلول، وعلته الوقف، وأن زِرًّا هو الذي
(١) . وحكاه ابن عبد البر في «التمهيد» (١٠/ ٦٢) إجماعًا.
(٢) . انظر: «المغني» (٤/ ٣٢٥).
(٣) . برقم (١٩١٨) من حديث عائشة، ولفظه: «فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر». ولم أجد هذا اللفظ: «إلا بعد طلوع الفجر» في شيء من الروايات.
(٤) . برقم (٦١٧، ٢٦٥٦) من حديث ابن عمر.
(٥) . (١/ ٣٧٧، ٤/ ٢١٦)، وأخرجه أيضًا ابن خزيمة (٣٥٦، ١٩٢٧)، والدارقطني (٢١٨٥)، والحاكم (١/ ١٩١) من حديث ابن عباس، وقد اختلف في رفعه ووقفه، ورجّح الدارقطني والبيهقي الوقف. وروي أيضًا من حديث عبد الرحمن بن عائش موقوفًا عليه. أخرجه الدارقطني (٢١٨٣) وقال: إسناده صحيح.