كان مساءً في وقت الفطر، فأخبر ﷺ أنهما قد أفطرا، ودخلا في وقت الفطر، يعني فليصنعا ما أحبّا.
السادس: أن هذا تغليظ ودعاء عليهما، لا أنه أخبر عن حكمٍ شرعي بفطرهما.
السابع: أن إفطارهما بمعنى إبطال ثواب صومهما، كما جاء: «خمس يفطرن الصائم: الكذب، والغيبة، والنميمة، والنظرة السوء، واليمين الكاذبة»١، وكما جاء: «الحدث حدثان: [حدث الفَرْج، و] حدث اللسان، وهو أشدهما»٢.
الثامن: أنه لو قُدِّر تعارض الأخبار جملةً لكان الأخذ بأحاديث الرخصة أولى لتأيُّدها بالقياس، وشواهد أصول الشريعة لها، إذ الفطر إنما قياسه أن يكون بما يدخل الجوف لا بالخارج منه، كالفِصاد والتشريط ونحوه.
قال المفطرون: ليس في هذه الأجوبة شيء يصح.
أما جواب المعللين فباطل، فإن الأئمة العارفين بهذا الشأن قد تظاهرت أقوالهم بتصحيح بعضها كما تقدم. والباقي: إما حسن يصلح للاحتجاج به
(١) . روي من حديث أنس مرفوعًا. وهو موضوع مكذوب على النبي ﷺ. انظر: «العلل» لابن أبي حاتم (٧٦٦)، و«الأباطيل» للجَوْرقاني (١/ ٥٢٨ - ٥٢٩)، و«الموضوعات» لابن الجوزي (١١٣١).
(٢) . أخرجه ابن المنذر في «الأوسط» (١/ ١٨٥، ٢٣١، ٢٣٢)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٦٢٩٨) عن ابن عباس موقوفًا عليه، من طرق يشد بعضها بعضًا. وقد روي مرفوعًا ولا يصحّ. انظر: «الأباطيل والمناكير» للجَوْرقاني (١/ ٥٣٠)، و«العلل المتناهية» (١/ ٣٦٥).
وحده، وإما ضعيف، فهو يصلح للشواهد والمتابعات، وليس العمدة عليه، وممن صحح ذلك: أحمد، وإسحاق، وعلي ابن المديني، وإبراهيم الحربي١، وعثمان بن سعيد الدارمي، والبخاري، وابن المنذر٢.
وكل من له علم بالحديث يشهد بأن هذا الأصل محفوظ عن النبي ﷺ لتعدد طرقه، وثقة رواته واشتهارهم بالعدالة.
قالوا: والعجب ممن يذهب إلى أحاديث الجهر بالبسملة، وهي دون هذه الأحاديث في الشهرة والصحة، ويترك هذه الأحاديث، وكذلك أحاديث الفطر [ق ١١٨] بالقيء مع ضعفها وقلّتها! وأين تقع من أحاديث الفطر بالحجامة؟! وكذلك أحاديث الإتمام في السفر، وأحاديث أقل الحيض وأكثره، وأحاديث تقدير المهر بعشرة دراهم، وأحاديث الوضوء بنبيذ التمر، وأحاديث الشهادة في النكاح، وأحاديث التيمم ضربتان، وأحاديث المنع من فسخ الحج إلى التمتع، وأحاديث تحريم القراءة على الجنب والحائض، وأحاديث تقدير الماء الذي يحمل النجاسة بالقلتين؛ قالوا: وأحاديث الفطر بالحجامة أقوى وأشهر وأعرف من هذه، بل ليست دون أحاديث نقض الوضوء بمس الذكر.
وأما قول بعض أهل الحديث٣: لا يصح في الفطر بالحجامة حديث، فمجازفة باطلة أنكرها أئمة الحديث، كالإمام أحمد، لما حكي له قول ابن
(١) . سبق أن صوابه: «إسحاق بن إبراهيم» وهو ابن راهويه.
(٢) . سبق النقل عن هؤلاء غير ابن المنذر، فانظر له «الإشراف» (٣/ ١٣٠).
(٣) . كابن معين (كما سيأتي)، وأبي حفص الموصلي في «المغني عن الحفظ والكتاب بقولهم لم يصح شيء في هذا الباب» (٢/ ٣٧٣ مع جنة المرتاب).