الفتح صام حتى بلغ الكَدِيد، ثم أفطر، والناس ينظرون إليه١. ثم لم يُحفظ عنه أنه صام بعد هذا في سفر قط. ولما شك الصحابة في صيامه يوم عرفة أرسلوا أمَّ الفضل إليه بقَدَح فشربه٢، فعلموا أنه لم يكن صائمًا.
فقصة الاحتجام وهو صائم محرم إما غلط، كما قال الإمام أحمد وغيره، وإما قبل الفتح قطعًا، وعلى التقديرين فلا يُعارَض بها قوله عام الفتح: «أفطر الحاجم والمحجوم».
وعلى هذا فحديث ابن عباس إما أن٣ يدل على أنّ الحجامة لا تفطّر أو لا يدل. فإن لم يدل لم يَصلح للنسخ. وإن دل فهو منسوخ بما ذكرنا من حديث شدّاد، فإنه مؤرَّخ بعام الفتح، فهو متأخر عن إحرام النبي ﷺ صائمًا، وتقريره ما تقدم.
وهذا القلب في دعوى كونه منسوخًا أظهر من ثبوت النسخ به. وعياذًا بالله من شر مقلّدٍ عصبيٍّ يرى العلم جهلًا، والإنصاف ظلمًا، وترجيح الراجح على المرجوح عدوانًا! وهذه المضايق لا يصحب السالك فيها إلا من صَدَقت في العلم نيتُه وعَلَت همَّتُه. وأما من أخلد إلى أرض التقليد، واستوعر طريق الترجيح، فيقال له: ما ذا عُشَّكِ فادرُجي٤!
(٢) . كذا، والرواية أن الصحابة لمّا تماروا عندها أرسلتْ هي إلى النبي ﷺ بقدح، لا أنهم أرسلوها إليه به. هكذا أخرجه البخاري (١٦٥٨) ومسلم (١١٢٣).
(٣) . «أن» ساقط من الطبعتين.
(٤) . أي: ليس هذا مجالك، ولستَ من أهله، فدعْه وامْضِ! انظر: «مجمع الأمثال» (٢/ ١٨١) و«تاج العروس» (عشش).
قالوا: وأما حديث أنس في قصة جعفر١، فجوابنا عنه من وجوه:
أحدها: أنه من رواية خالد بن مَخْلَد، عن ابن المُثنّى. قال الإمام أحمد٢: خالد بن مخلد له مناكير. قالوا: ومما يدل على أن هذا الحديث من مناكيره أنه لم يروه أحد من أهل الكتب المعتمدة، لا أصحاب الصحيح ولا أحد من أهل السنن، مع شهرة إسناده، وكونه في الظاهر على شرط البخاري، ولا احتج به الشافعي، مع حاجته إلى إثبات النسخ، حتى سلك ذلك المسلك في حديث ابن عباس، فلو كان هذا صحيحًا لكان أظهرَ دلالة وأبينَ في حصول النسخ.
قالوا: وأيضًا فجعفر إنما قدم من الحبشة عام خيبر، أو آخر سنة ست وأول سنة سبع، وقُتل٣ عام مؤتة قبل الفتح ولم يشهد الفتح، فصام مع النبي ﷺ رمضانًا واحدًا سنة سبع، وقول النبي ﷺ: «أفطر الحاجم والمحجوم» بعد ذلك في الفتح سنة ثمان.
فإن كان حديث أنس محفوظًا، فليس فيه أن الترخيص وقع بعد عام الفتح، وإنما فيه أن الترخيص وقع بعد قصة جعفر. وعلى هذا فقد وقع الشك في الترخيص وقولِه في الفتح: «أفطر الحاجم والمحجوم»، أيهما هو المتأخر؟ ولو كان حديث أنس قد ذُكر فيه الترخيص بعد الفتح لكان حجةً، ومع وقوع الشك في التاريخ لا يثبت النسخ.
قالوا: وأيضًا فالذي يبين أن هذا لا يصح عن أنس: ما رواه البخاري في
(١) . سبق لفظه (ص ٣٩).
(٢) . أسنده عنه ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (٣/ ٣٥٤).