قالوا: وأما حديث أنس في قصة جعفر١، فجوابنا عنه من وجوه:
أحدها: أنه من رواية خالد بن مَخْلَد، عن ابن المُثنّى. قال الإمام أحمد٢: خالد بن مخلد له مناكير. قالوا: ومما يدل على أن هذا الحديث من مناكيره أنه لم يروه أحد من أهل الكتب المعتمدة، لا أصحاب الصحيح ولا أحد من أهل السنن، مع شهرة إسناده، وكونه في الظاهر على شرط البخاري، ولا احتج به الشافعي، مع حاجته إلى إثبات النسخ، حتى سلك ذلك المسلك في حديث ابن عباس، فلو كان هذا صحيحًا لكان أظهرَ دلالة وأبينَ في حصول النسخ.
قالوا: وأيضًا فجعفر إنما قدم من الحبشة عام خيبر، أو آخر سنة ست وأول سنة سبع، وقُتل٣ عام مؤتة قبل الفتح ولم يشهد الفتح، فصام مع النبي ﷺ رمضانًا واحدًا سنة سبع، وقول النبي ﷺ: «أفطر الحاجم والمحجوم» بعد ذلك في الفتح سنة ثمان.
فإن كان حديث أنس محفوظًا، فليس فيه أن الترخيص وقع بعد عام الفتح، وإنما فيه أن الترخيص وقع بعد قصة جعفر. وعلى هذا فقد وقع الشك في الترخيص وقولِه في الفتح: «أفطر الحاجم والمحجوم»، أيهما هو المتأخر؟ ولو كان حديث أنس قد ذُكر فيه الترخيص بعد الفتح لكان حجةً، ومع وقوع الشك في التاريخ لا يثبت النسخ.
قالوا: وأيضًا فالذي يبين أن هذا لا يصح عن أنس: ما رواه البخاري في
(١) . سبق لفظه (ص ٣٩).
(٢) . أسنده عنه ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (٣/ ٣٥٤).
(٣) . ط. الفقي: «وقيل»، تحريف.
«صحيحه»١ عن ثابت قال: «سئل أنس: أكنتم تكرهون الحجامة للصائم؟ قال: لا، إلا من أجل الضعف»، وفي رواية: «على عهد النبي ﷺ». فهذا يدل على أن أنسًا لم يكن عنده رواية عن النبي ﷺ أنه فطّر بها، ولا أنه رخص فيها، بل الذي عنده كراهتها من أجل الضعف. ولو عَلِم أن النبي ﷺ رخّص فيها بعد الفطر بها، لم يَحتج أن يجيب بهذا مِن رأيه، ولم يَكره شيئًا رخّص فيه رسول الله ﷺ.
وأيضًا فمن المعلوم أن أهل البصرة أشد الناس في التفطير بها. وذكر الإمام أحمد٢ وغيره أن البصرة كانت إذا دخل شهر رمضان يُغلقون حوانيت الحجّامين. وقد تقدم مذهب الحسن وابن سيرين إمامَي البصرة أنهما كانا يفطّران بالحجامة، مع أن فتاوى أنس نُصْب أعينهم، وأنس آخر من مات بالبصرة من الصحابة، فكيف يكون عند أنس أن النبي ﷺ رخّص في الحجامة [ق ١٢٠] للصائم بعد نهيه عنها، والبصريون يأخذون عنه، وهم على خلاف ذلك؟! وعلى القول بالفطر بها، لا سيما وحديث أنس فيه أن ثابتًا سمعه منه، وثابت من أكبر مشايخ أهل البصرة ومن أخصّ أصحاب الحسن= فكيف تشتهر بين أهل البصرة السنّة المنسوخة، ولا يعلمون الناسخة ولا يعملون بها، ولا تُعرف بينهم ولا يتناقلونها، بل هم على خلافها؟! هذا محال.
قالوا: وأيضًا فأبو قلابة من أخص أصحاب أنس، وهو الذي يروي قوله: «أفطر الحاجم والمحجوم» من طريق أبي أسماء عن ثوبان، ومن