تهذيب السنن

«صحيحه»١ عن ثابت قال: «سئل أنس: أكنتم تكرهون الحجامة للصائم؟ قال: لا، إلا من أجل الضعف»، وفي رواية: «على عهد النبي ﷺ». فهذا يدل على أن أنسًا لم يكن عنده رواية عن النبي ﷺ أنه فطّر بها، ولا أنه رخص فيها، بل الذي عنده كراهتها من أجل الضعف. ولو عَلِم أن النبي ﷺ رخّص فيها بعد الفطر بها، لم يَحتج أن يجيب بهذا مِن رأيه، ولم يَكره شيئًا رخّص فيه رسول الله ﷺ.

وأيضًا فمن المعلوم أن أهل البصرة أشد الناس في التفطير بها. وذكر الإمام أحمد٢ وغيره أن البصرة كانت إذا دخل شهر رمضان يُغلقون حوانيت الحجّامين. وقد تقدم مذهب الحسن وابن سيرين إمامَي البصرة أنهما كانا يفطّران بالحجامة، مع أن فتاوى أنس نُصْب أعينهم، وأنس آخر من مات بالبصرة من الصحابة، فكيف يكون عند أنس أن النبي ﷺ رخّص في الحجامة [ق ١٢٠] للصائم بعد نهيه عنها، والبصريون يأخذون عنه، وهم على خلاف ذلك؟! وعلى القول بالفطر بها، لا سيما وحديث أنس فيه أن ثابتًا سمعه منه، وثابت من أكبر مشايخ أهل البصرة ومن أخصّ أصحاب الحسن= فكيف تشتهر بين أهل البصرة السنّة المنسوخة، ولا يعلمون الناسخة ولا يعملون بها، ولا تُعرف بينهم ولا يتناقلونها، بل هم على خلافها؟! هذا محال.

قالوا: وأيضًا فأبو قلابة من أخص أصحاب أنس، وهو الذي يروي قوله: «أفطر الحاجم والمحجوم» من طريق أبي أسماء عن ثوبان، ومن

  1. (١) . رقم (١٩٤٠).
  2. (٢) . انظر: «شرح العمدة» لشيخ الإسلام (٣/ ٣٤٥).
51

طريق أبي الأشعث عن شداد١. وعلى حديثه اعتمد أئمة الحديث وصححوه، وشهدوا أنه أصح أحاديث الباب. فلو كان عند أنس عن النبي ﷺ سنة تنسخ ذلك، لكان أصحابه أعلمَ بها، وأحرصَ على روايتها من أحاديث الفطر بها. والله أعلم.

قالوا: وأما حديث أبي سعيد٢ فجوابه من وجوه:

أحدها: أنه حديث قد اختلف فيه عليه، فرواه أبو المتوكل عنه، واختلف عليه، فرفعه المعتمر عن حميد عن أبي المتوكل٣، ووقفه بِشر وإسماعيل وابن أبي عَدي عن حُمَيد٤. ووقفه أبو نضرةَ عن أبي سعيد٥، وأبو نضرة من أروى الناس عنه وأعلمهم بحديثه. ووقفه قتادة عن أبي المتوكل٦، فالواقفون له أكثر وأشهر، فالحكم لهم عند المحدِّثين٧.

  1. (١) . قد سبق تخريج الحديثين.
  2. (٢) . سبق لفظه (ص ٣٩).
  3. (٣) . أخرجه النسائي في «الكبرى» (٣٢٢٤)، وابن خزيمة (١٩٦٧)، والدارقطني (٢٢٦٨) وقال: كلهم ثقات، وغير معتمر يرويه موقوفًا.
  4. (٤) . أخرجها النسائي في «الكبرى» (٣٢٢٥ - ٣٢٢٧). وتابعهم حماد بن سلمة وأبو خالد الأحمر، كلاهما عن حميد موقوفًا. انظر «مصنف بن أبي شيبة» (٩٤١٤)، و«صحيح ابن خزيمة» (١٩٨٠).
  5. (٥) . أخرجه النسائي في «الكبرى» (٣٢٣٠).
  6. (٦) . أخرجه ابن أبي شيبة (٩٤١٥)، والنسائي (٣٢٣١)، وابن خزيمة (١٩٧١)، كلهم من طرق عن شعبة عن قتادة به.
  7. (٧) . هو الذي رجحه البخاري، والرازيّان، والترمذي، وجعلوا الرفع وهمًا، ولكن خالفهم الدارقطني فقال: الذين رفعوه ثقات، وقد زادوا، وزيادة الثقة مقبولة! انظر: «العلل الكبير» للترمذي (ص ١٢٥ - ١٢٦)، و«العلل» لابن أبي حاتم (٦٧٦)، وللدارقطني (٢٣٣٠).
52

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي