تهذيب السنن

عليه الحكم ولا يكون له فيه تأثير البتة.

الثاني: أن هذا يُبطل عامة أحكام الشرع التي١ رتّبها على الأوصاف، إذا تطرَّق إليها هذا الخيال والوهم الفاسد، كقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا﴾ [النور: ٢]، ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾ [النساء: ١٨]. ومعلوم أنه ليس بأيدينا إلا أوصاف رُتِّبت عليها الأحكام، فإن جاز أن تكون تلك الأوصاف للتعريف لا للتعليل بطلت الأحكام.

الثالث: أنه لا يَفهم قط٢ أحدٌ من الخاصة والعامة مِن قول القائل: «القاتل لا يرث» و«العبد لا يرث» و«الكافر لا يرث» و«القاذف لا تُقبل شهادته» و«المُحْدِث لا تصحّ صلاته» وأمثال ذلك= إلا تَعلُّقَ الأحكام بتلك الأوصاف. ولهذا لا يَحسُن ذكر وصفٍ لا تأثير له في الحكم، كما لو قال: أفطر الخيّاط والمخيط له، وأفطر الحامل والمحمول له، وأفطر الشاهد والمشهود له!! ومن قال هذا عُدَّ كلامه سُخْفًا، وتعجَّب الناس من قوله، فكيف يضاف ذلك إلى الشارع؟! سبحانك هذا بهتان عظيم!

الرابع: أن هذا قدح في أفهام الصحابة الذين هم أعرف الناس وأفهم الناس بمراد نبيهم، وبمقصوده من كلامه، وقد قال أبو موسى لرجل قال له:

  1. (١) . في الأصل: «الذي»، وهو سهو.
  2. (٢) . «قط» أوقعه المؤلف هنا وفي مواضع أخرى من كتبه موقع «أبدًا»، والصواب أنه ظرف مختص بالمُضيّ. انظر: «درّة الغوّاص في أوهام الخواص» (الوهم التاسع).
54

ألا تحتجم نهارًا؟ أتأمرني أن أُهَرِيقَ دمي وأنا صائم وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أفطر الحاجم والمحجوم»؟١.

والذين فطَّروا بذلك من الصحابة كعلي وأبي موسى وغيرهم إنما يحتجون بالحديث. وكان جماعة من الصحابة لا يحتجمون في الصيام إلا ليلًا، منهم عبد الله بن عمر وابن عباس وأبو موسى وأنس، ويحتجّون بالحديث٢.

الخامس: أن هذا يتضمن تعليق الحكم ــ وهو الفطر ــ بوصفٍ لا ذِكر له في الحديث أصلًا، وإبطالَ تعليقه بالوصف الذي علقه به الشارع، وهذا من أبطل الباطل.

السادس: أنه لو صح ذلك ــ وحاشا لله ــ في قوله: «أفطر الحاجم والمحجوم»، فكيف يصح ذلك في حديث أنس الذي جعلتموه عمدتكم في الباب، وهو قوله لجعفر ــ وقد مرّ به وهو يحتجم ــ: «أفطَرَ هذان» ثم رخّص

  1. (١) . سبق تخريجه.
  2. (٢) . أثر ابن عمر أخرجه مالك (٨١٨)، وعبد الرزاق (٧٥٣١ - ٧٥٣٣)، وابن أبي شيبة (٩٤١٢، ٩٤١٣) بأسانيد صحيحة، ولكن ليس فيها أنه احتج بالحديث. وقد روي الحديث عنه، ولكن بإسناد واهٍ، وسيأتي.
    وأثر ابن عباس عزاه في «المغني» (٤/ ٣٥١ - ٣٥٢) إلى الجُوزجاني، ولم يذكر أنه احتجّ بالحديث، وقد روي الحديث عنه، وقد سبق.
    وحديث أبي موسى الأشعري سبق تخريجه.
    وأثر أنس أخرجه ابن سعد في «الطبقات» (٥/ ٣٣٨) بإسناد صحيح، وليس فيه أنه احتج بالحديث، بل الظاهر أنه كان يؤخره من أجل الضعف، بدليل ما سبق من قوله في البخاري: «لا، إلا من أجل الضعف».
55

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي