تهذيب السنن

ألا تحتجم نهارًا؟ أتأمرني أن أُهَرِيقَ دمي وأنا صائم وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أفطر الحاجم والمحجوم»؟١.

والذين فطَّروا بذلك من الصحابة كعلي وأبي موسى وغيرهم إنما يحتجون بالحديث. وكان جماعة من الصحابة لا يحتجمون في الصيام إلا ليلًا، منهم عبد الله بن عمر وابن عباس وأبو موسى وأنس، ويحتجّون بالحديث٢.

الخامس: أن هذا يتضمن تعليق الحكم ــ وهو الفطر ــ بوصفٍ لا ذِكر له في الحديث أصلًا، وإبطالَ تعليقه بالوصف الذي علقه به الشارع، وهذا من أبطل الباطل.

السادس: أنه لو صح ذلك ــ وحاشا لله ــ في قوله: «أفطر الحاجم والمحجوم»، فكيف يصح ذلك في حديث أنس الذي جعلتموه عمدتكم في الباب، وهو قوله لجعفر ــ وقد مرّ به وهو يحتجم ــ: «أفطَرَ هذان» ثم رخّص

  1. (١) . سبق تخريجه.
  2. (٢) . أثر ابن عمر أخرجه مالك (٨١٨)، وعبد الرزاق (٧٥٣١ - ٧٥٣٣)، وابن أبي شيبة (٩٤١٢، ٩٤١٣) بأسانيد صحيحة، ولكن ليس فيها أنه احتج بالحديث. وقد روي الحديث عنه، ولكن بإسناد واهٍ، وسيأتي.
    وأثر ابن عباس عزاه في «المغني» (٤/ ٣٥١ - ٣٥٢) إلى الجُوزجاني، ولم يذكر أنه احتجّ بالحديث، وقد روي الحديث عنه، وقد سبق.
    وحديث أبي موسى الأشعري سبق تخريجه.
    وأثر أنس أخرجه ابن سعد في «الطبقات» (٥/ ٣٣٨) بإسناد صحيح، وليس فيه أنه احتج بالحديث، بل الظاهر أنه كان يؤخره من أجل الضعف، بدليل ما سبق من قوله في البخاري: «لا، إلا من أجل الضعف».
55

في الحجامة بعدُ؟ وفي قوله: نهى عن الحجامة ولم يحرّمها؟

السابع: أنه كيف يتفق بضعةَ عشر صحابيًّا على رواية أحاديثَ كلُّها متفقة بلفظ واحد، ويكون النبي ﷺ قد ذكر الحجامة فيها ولا تأثير لها في الفطر، وكلهم يقول: «أفطر الحاجم والمحجوم»؟!

الثامن: أنه كيف يجوز للصحابة أن يُفتوا بذلك، [ق ١٢١] ويقولوا: أفطر الحاجم والمحجوم؟ أفترى استمر التعريف بذلك دائمًا؟! ودَفْع الأحاديث متى وصل إلى هذا الحد ساء وقبُح جدًّا!

التاسع: أنّا نقول: نعم، وهو للتعريف بلا شك، فإن أحكام الشارع إنما تُعرَّف بالأوصاف وتُرْبَط بها، وتعمّ الأمة لأجلها، فالوصف في الحديث المذكور لتعريف حكمه، وأنه مرتبط بهذا الوصفِ منوط به.

العاشر: أن صاحب القصة التي جرت له قال: مر عليَّ النبي ﷺ وأنا أحتجم، فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم»، فلو كان فطره بغير ذلك لبينه له الشارعُ لحاجته إليه، ولم يَخْفَ على الصحابي ذلك، ولم يكن لذكره الحجامةَ معنًى. وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فكيف يترك الشارع بيان الوصف المفطِّر فلا يبينه للمكلَّف، ويذكر له وصفًا لا يفطّر بحال؟!

وأما قولهم: إن الفطر بالغيبة، فهذا باطل من وجوه:

أحدها: أن ذلك لا يثبت، وإنما جاء في حديث واحد من تلك الأحاديث: «وهما يغتابان الناس»١، مع أنها زيادة باطلة.

  1. (١) . أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (٦٣١٨) من طريق غياث بن كلُّوب، عن مطرّف بن سمرة بن جندب، عن أبيه مرفوعًا. قال البيهقي: غياث هذا مجهول. وذكره الدارقطني في «الضعفاء» (٤٢٨) وقال: له نسخة عن مطرّف بن سمرة بن جندب، لا يُعرف إلا به.
    وأخرجه ابن شاهين في «ناسخ الحديث ومنسوخه» (ص ٣٣٨) من حديث ابن عباس بنحوه، وفي إسناده إبراهيم بن البراء بن النضر، متروك الحديث، حدّث عن الثقات بالبواطيل.
    وأخرجه العقيلي في «الضعفاء» (٦/ ٥) من حديث ابن مسعود، وفي إسناده معاوية بن عطاء، في حديثه مناكير، وهذا منها.
56

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي