تهذيب السنن

في الحجامة بعدُ؟ وفي قوله: نهى عن الحجامة ولم يحرّمها؟

السابع: أنه كيف يتفق بضعةَ عشر صحابيًّا على رواية أحاديثَ كلُّها متفقة بلفظ واحد، ويكون النبي ﷺ قد ذكر الحجامة فيها ولا تأثير لها في الفطر، وكلهم يقول: «أفطر الحاجم والمحجوم»؟!

الثامن: أنه كيف يجوز للصحابة أن يُفتوا بذلك، [ق ١٢١] ويقولوا: أفطر الحاجم والمحجوم؟ أفترى استمر التعريف بذلك دائمًا؟! ودَفْع الأحاديث متى وصل إلى هذا الحد ساء وقبُح جدًّا!

التاسع: أنّا نقول: نعم، وهو للتعريف بلا شك، فإن أحكام الشارع إنما تُعرَّف بالأوصاف وتُرْبَط بها، وتعمّ الأمة لأجلها، فالوصف في الحديث المذكور لتعريف حكمه، وأنه مرتبط بهذا الوصفِ منوط به.

العاشر: أن صاحب القصة التي جرت له قال: مر عليَّ النبي ﷺ وأنا أحتجم، فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم»، فلو كان فطره بغير ذلك لبينه له الشارعُ لحاجته إليه، ولم يَخْفَ على الصحابي ذلك، ولم يكن لذكره الحجامةَ معنًى. وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فكيف يترك الشارع بيان الوصف المفطِّر فلا يبينه للمكلَّف، ويذكر له وصفًا لا يفطّر بحال؟!

وأما قولهم: إن الفطر بالغيبة، فهذا باطل من وجوه:

أحدها: أن ذلك لا يثبت، وإنما جاء في حديث واحد من تلك الأحاديث: «وهما يغتابان الناس»١، مع أنها زيادة باطلة.

  1. (١) . أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (٦٣١٨) من طريق غياث بن كلُّوب، عن مطرّف بن سمرة بن جندب، عن أبيه مرفوعًا. قال البيهقي: غياث هذا مجهول. وذكره الدارقطني في «الضعفاء» (٤٢٨) وقال: له نسخة عن مطرّف بن سمرة بن جندب، لا يُعرف إلا به.
    وأخرجه ابن شاهين في «ناسخ الحديث ومنسوخه» (ص ٣٣٨) من حديث ابن عباس بنحوه، وفي إسناده إبراهيم بن البراء بن النضر، متروك الحديث، حدّث عن الثقات بالبواطيل.
    وأخرجه العقيلي في «الضعفاء» (٦/ ٥) من حديث ابن مسعود، وفي إسناده معاوية بن عطاء، في حديثه مناكير، وهذا منها.
56

الثاني: أنه لو ثبت لكان الأخذ بعموم اللفظ الذي عَلَّق به الحكم، دون الغِيبة التي لم يُعلِّق بها الحكم.

الثالث: أنه لو كان ما ذكروه صحيحًا لكان موجَب البيان أن يقول: أفطر المغتابان، على عادته وعُرْفه مِن ذكر الأوصاف المُؤثِّرة دون غيرها، فكيف يَعدِل عن الغيبة المؤثّرة إلى الحجامة المُهدَرة؟!

الرابع: أن هذا يتضمن حمل الحديث على خلاف الإجماع وتعطيله، فإن المنازع لا يقول بأن الغيبة تفطِّر، فكيف يَحمل الحديثَ على ما يعتقد بطلانه؟!

الخامس: أن سياق الأحاديث يُبطل هذا التأويل، كما تقدم.

السادس: أن معقل بن سنان قال: مرَّ بي رسول الله ﷺ وأنا أحتجم، فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم»، ولم يكن يغتاب أحدًا، ولا جرى للغيبة ذكر أصلًا.

قالوا: وأما الجواب الرابع١ بأن «أفطر» بمعنى سيفطر، ففاسد أيضًا

  1. (١) . ط. الفقي: «الواقع» تصحيف.
57

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي