تهذيب السنن

لتضمنه الإيهام بخلاف المراد، ولفهم الصحابة خلافه، ولاطِّراد١ هذا اللفظ دون مجيئه بالمعنى الذي ذكروه، ولشدَّة مخالفته للوضع، ولذكر [الحاجم مع]٢ المحجوم، فإنه وإن تعرَّض المحجوم للفطر بالضعف، فأي ضَعْف يلحق الحاجم؟

وكون الحاجم متعرِّضًا لابتلاع الدم، والمحجوم متعرضًا للضعف، هذا التعليل لا يُبطل الفطرَ بالحجامة، بل هو مقرِّر للفطر بها، وإلا فلا يجوز استنباط وصف من النص يعود عليه بالإبطال. بل هذا الوصف إن كان له تأثير في الفطر، وإلا فالتعليل به باطل.

قالوا: وأما الجواب الخامس: أن النبي ﷺ مر بهما مساءً فقال ذلك، فمما لا يجوز أن يحمل الحديث عليه، وأي تأثير للحجامة؟ بل كل الناس قد أفطر.

وأيضًا فهذا كذب، فإنه ليس في الحديث ما يدل على ذلك أصلًا، فقائله مُخبِر بالكذب.

وأيضًا فأي حاجة إلى قول أنس: «ثم رخص بعدُ في الحجامة»؟!

وأيضًا: فأي حاجة بالصحابة أن يؤخروا احتجامهم إلى الليل، وكيف يفتون الأمة بفطرهم بأمرٍ قد فُعِل مساءً لا تأثير له في الفطر؟! والحمد لله على المعافاة من رد الأحاديث بمثل هذه الخيالات!

وأما جوابكم السادس: أن هذا تغليظ ودعاء عليهما، لا أنه حكم

  1. (١) . في الطبعتين: «ولاضطراد» خطأ.
  2. (٢) . زيادة يقتضيها السياق.
58

شرعي، فالمجيب به كالمستجير من الرمضاء بالنار! فإنهما لم يفعلا محرَّمًا عندكم ولا مفطِّرًا، بل فعلا ما أباحه لهما الشارع عندكم، فكيف يُغلَّظ١ عليهما ويُدعَى عليهما؟! ومتى عُهِد في عرف الشارع الدعاء على المكلف بالفطر وفساد العبادة؟! وسائر الوجوه المتقدمة تبطل هذا أيضًا.

وأما جوابكم السابع بأن المراد إبطال أجر صومهما، فكذلك أيضًا، فإنكم لا تبطلون أجرهما بذلك، ولا تحرِّمون الحجامة، ثم لو كان المراد إبطال الأجر لكان ذلك مقرِّرًا لفساد الصوم لا لصحته، فإنه قد أَخبَر عن أمرٍ يتضمن بطلانَ أجرهما لزومًا واستنباطًا، وبطلانَ صومهما صريحًا ونصًّا، فكيف يُعطَّل ما دل عليه صريحُه ويُعتبر ما استُنبِط منه، مع أنه لا منافاة بينه وبين الصريح؟! بل المعنَيان حق، قد بطل صومهما وأجرهما إذا كانت الحجامة لغير مرض.

وأما جوابكم الثامن أن الأحاديث لو قُدِّر تعارضها لكان الأخذ بأحاديث الرخصة أولى لموافقتها القياس، فجوابه:

أولًا: أن الأحاديث ــ بحمد الله ــ ليست متعارضة، وقد بيّنا أنه لا معارِض لأحاديث المنع.

ويقال ثانيًا: لو قُدِّر تعارضها فالأخذ بأحاديث الفطر متعيِّن، لأنها ناقلة عن الأصل، وأحاديث الإباحة موافِقة لما كان الأمر عليه قبل جعلها مُفطِّرةً، والناقل مقدَّم على المُبْقي.

  1. (١) . ط. المعارف: «يُفطّر»، ورسمه في الأصل يُشبه: «يغطـ»، والظاهر أن الصواب ما أثبتّه وأن اللام سقطت من الناسخ سهوًا، ويؤيده ذكر مصدره (تغليظ) في أول الفقرة.
59

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي