شرعي، فالمجيب به كالمستجير من الرمضاء بالنار! فإنهما لم يفعلا محرَّمًا عندكم ولا مفطِّرًا، بل فعلا ما أباحه لهما الشارع عندكم، فكيف يُغلَّظ١ عليهما ويُدعَى عليهما؟! ومتى عُهِد في عرف الشارع الدعاء على المكلف بالفطر وفساد العبادة؟! وسائر الوجوه المتقدمة تبطل هذا أيضًا.
وأما جوابكم السابع بأن المراد إبطال أجر صومهما، فكذلك أيضًا، فإنكم لا تبطلون أجرهما بذلك، ولا تحرِّمون الحجامة، ثم لو كان المراد إبطال الأجر لكان ذلك مقرِّرًا لفساد الصوم لا لصحته، فإنه قد أَخبَر عن أمرٍ يتضمن بطلانَ أجرهما لزومًا واستنباطًا، وبطلانَ صومهما صريحًا ونصًّا، فكيف يُعطَّل ما دل عليه صريحُه ويُعتبر ما استُنبِط منه، مع أنه لا منافاة بينه وبين الصريح؟! بل المعنَيان حق، قد بطل صومهما وأجرهما إذا كانت الحجامة لغير مرض.
وأما جوابكم الثامن أن الأحاديث لو قُدِّر تعارضها لكان الأخذ بأحاديث الرخصة أولى لموافقتها القياس، فجوابه:
أولًا: أن الأحاديث ــ بحمد الله ــ ليست متعارضة، وقد بيّنا أنه لا معارِض لأحاديث المنع.
ويقال ثانيًا: لو قُدِّر تعارضها فالأخذ بأحاديث الفطر متعيِّن، لأنها ناقلة عن الأصل، وأحاديث الإباحة موافِقة لما كان الأمر عليه قبل جعلها مُفطِّرةً، والناقل مقدَّم على المُبْقي.
(١) . ط. المعارف: «يُفطّر»، ورسمه في الأصل يُشبه: «يغطـ»، والظاهر أن الصواب ما أثبتّه وأن اللام سقطت من الناسخ سهوًا، ويؤيده ذكر مصدره (تغليظ) في أول الفقرة.
ويقال ثالثًا: ليس في أحاديث الرخصة لفظ صريح، وإنما غايتها أن تكون فعلًا محتمِلًا للوجوه التي تقدمت، فكيف تُقدَّم على القول الصريح؟!
ويقال رابعًا: أحاديث الفطر صريحة متعددة الطرق، رواها عن النبي ﷺ أربعة عشر نفسًا، وساق الإمام أحمد أحاديثهم كلها١. وهُم: رافع بن خديج، وثوبان، وشداد بن أوس، وأبو هريرة، وعائشة، وبلال، وأسامة بن زيد، ومعقل بن سنان، وعلي بن أبي طالب٢، وسعد بن أبي وقاص، وأبو زيد الأنصاري٣، وأبو [ق ١٢٢] موسى، وابن عباس، وابن عمر٤؛ فكيف تُقدَّم عليها أحاديث هي بين أمرين: صحيح لا دلالة فيه، أو ما فيه دلالة ولكن هو غير صحيح؟! وقد تقدم ذكر ذلك في الكلام على الأحاديث وبينَّا أنه ليس فيها حديث واحد يصلح للمعارضة.
وعلى هذا، فالقياس الذي أشرتم إليه فاسد الاعتبار. ثم نقول: بل القياس من جانبنا، لأن الشارع علّق الفطر بإدخال ما فيه قِوام البدن من الطعام والشراب، وبإخراجه من القيء واستفراغ المني، وجَعَل الحيض مانعًا من الصوم لِما فيه من خروج الدم المُضْعِف
للبدن.
(١) . في «مسائله» برواية عبد الله ــ كما ذكر شيخ الإسلام في «شرح العمدة» (٣/ ٣٣٤) ــ، ولكن ليس في القدر المطبوع إلا حديث شداد وأثر ابن عمر وأبي هريرة.
(٢) . سبق تخريج أحاديث هؤلاء الصحابة.
(٣) . أخرج الحديث من روايتهما ابن عدي في «الكامل» (٣/ ٩٧، ٩٨). وكلا الإسنادين واهٍ، فيه داود بن الزبرقان، متروك الحديث.
(٤) . سبق تخريج حديث أبي موسى وابن عبّاس، وأما حديث ابن عمرفأخرجه الطبراني في «الأوسط» (٦١٣٩) وابن عدي في «الكامل» (٢/ ٣٠٦) بإسناد ضعيف جدًّا.