تهذيب السنن

ويقال ثالثًا: ليس في أحاديث الرخصة لفظ صريح، وإنما غايتها أن تكون فعلًا محتمِلًا للوجوه التي تقدمت، فكيف تُقدَّم على القول الصريح؟!

ويقال رابعًا: أحاديث الفطر صريحة متعددة الطرق، رواها عن النبي ﷺ أربعة عشر نفسًا، وساق الإمام أحمد أحاديثهم كلها١. وهُم: رافع بن خديج، وثوبان، وشداد بن أوس، وأبو هريرة، وعائشة، وبلال، وأسامة بن زيد، ومعقل بن سنان، وعلي بن أبي طالب٢، وسعد بن أبي وقاص، وأبو زيد الأنصاري٣، وأبو [ق ١٢٢] موسى، وابن عباس، وابن عمر٤؛ فكيف تُقدَّم عليها أحاديث هي بين أمرين: صحيح لا دلالة فيه، أو ما فيه دلالة ولكن هو غير صحيح؟! وقد تقدم ذكر ذلك في الكلام على الأحاديث وبينَّا أنه ليس فيها حديث واحد يصلح للمعارضة.

وعلى هذا، فالقياس الذي أشرتم إليه فاسد الاعتبار. ثم نقول: بل القياس من جانبنا، لأن الشارع علّق الفطر بإدخال ما فيه قِوام البدن من الطعام والشراب، وبإخراجه من القيء واستفراغ المني، وجَعَل الحيض مانعًا من الصوم لِما فيه من خروج الدم المُضْعِف

للبدن.

  1. (١) . في «مسائله» برواية عبد الله ــ كما ذكر شيخ الإسلام في «شرح العمدة» (٣/ ٣٣٤) ــ، ولكن ليس في القدر المطبوع إلا حديث شداد وأثر ابن عمر وأبي هريرة.
  2. (٢) . سبق تخريج أحاديث هؤلاء الصحابة.
  3. (٣) . أخرج الحديث من روايتهما ابن عدي في «الكامل» (٣/ ٩٧، ٩٨). وكلا الإسنادين واهٍ، فيه داود بن الزبرقان، متروك الحديث.
  4. (٤) . سبق تخريج حديث أبي موسى وابن عبّاس، وأما حديث ابن عمرفأخرجه الطبراني في «الأوسط» (٦١٣٩) وابن عدي في «الكامل» (٢/ ٣٠٦) بإسناد ضعيف جدًّا.
60

قالوا: فالشارع قد نهى الصائم عن أخذ ما يُقِيته١، وعن إخراج ما يُضعفه، وكلاهما مقصود له؛ لأن الشارع أمر بالاقتصاد في العبادات، ولا سيما في الصوم، ولهذا أمر بتعجيل الفطور وتأخير السحور، فله قصدٌ في حفظ قوة الصائم عليه كما له قصدٌ في منعه من إدخال المفطّرات. وشاهده الفطر بالقيء والحيض والاستمناء، فالحجامة كذلك أو أولى، وليس معنا في القيء ما يماثل أحاديث الحجامة، فكيف يفطر به دون الحجامة، مع أن الفطر بها أولى منه نصًّا وقياسًا واعتبارًا.

قالوا: ولهذا سوّى٢ بين الغالب منهما والمُستَدْعَى، فلا يُفطِر إذا ذرعه القيء، كما لا يفطر بالرُّعاف وخروج الدم من الدمل والجرح؛ وكما يفطر بالاستقاء عمدًا، كذلك يفطر بإخراج الدم عمدًا بالحجامة.

قالوا: وشاهده أن دم الحيض لمّا كان يجري في وقت وينقطع في وقت جعل الشارع صومها في وقت الطهر مغنيًا عن صومها وقت الدم، ولمّا كان دم الاستحاضة لا ضابط له، ولعله أن يستمر، جوَّز لها الصوم مع جرَيانه، كصاحب الرعاف ونحوه. فليس القياس إلا مع النصوص، يدور معها حيث دارت.

وأما قياسكم ذلك على الفِصاد ونحوه، فنقول: القائلون بأن الحجامة تفطِّر لهم فيها أربعة أقوال:

أحدها: أن المحتجم يُفْطِر وحده دون الحاجم، وهذا ظاهر كلام

  1. (١) . في الطبعتين: «يعينه»، تحريف. ومعنى «يُقيته»: يعطيه قوتًا ويغذّيه. انظر: «تاج العروس» (قوت).
  2. (٢) . ط. الفقي: «فرَّق» خلافًا للأصل، ويفسد المعنى المقصود.
61

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي