قالوا: فالشارع قد نهى الصائم عن أخذ ما يُقِيته١، وعن إخراج ما يُضعفه، وكلاهما مقصود له؛ لأن الشارع أمر بالاقتصاد في العبادات، ولا سيما في الصوم، ولهذا أمر بتعجيل الفطور وتأخير السحور، فله قصدٌ في حفظ قوة الصائم عليه كما له قصدٌ في منعه من إدخال المفطّرات. وشاهده الفطر بالقيء والحيض والاستمناء، فالحجامة كذلك أو أولى، وليس معنا في القيء ما يماثل أحاديث الحجامة، فكيف يفطر به دون الحجامة، مع أن الفطر بها أولى منه نصًّا وقياسًا واعتبارًا.
قالوا: ولهذا سوّى٢ بين الغالب منهما والمُستَدْعَى، فلا يُفطِر إذا ذرعه القيء، كما لا يفطر بالرُّعاف وخروج الدم من الدمل والجرح؛ وكما يفطر بالاستقاء عمدًا، كذلك يفطر بإخراج الدم عمدًا بالحجامة.
قالوا: وشاهده أن دم الحيض لمّا كان يجري في وقت وينقطع في وقت جعل الشارع صومها في وقت الطهر مغنيًا عن صومها وقت الدم، ولمّا كان دم الاستحاضة لا ضابط له، ولعله أن يستمر، جوَّز لها الصوم مع جرَيانه، كصاحب الرعاف ونحوه. فليس القياس إلا مع النصوص، يدور معها حيث دارت.
وأما قياسكم ذلك على الفِصاد ونحوه، فنقول: القائلون بأن الحجامة تفطِّر لهم فيها أربعة أقوال:
أحدها: أن المحتجم يُفْطِر وحده دون الحاجم، وهذا ظاهر كلام
الخرقي١، فإنه قال في المفطِّرات: «أو احتجم»، ولم يقل: أو حجم.
الثاني، وهو منصوص الإمام أحمد: أنه يُفطِر كل منهما، وهذا قول جمهور أصحابه المتقدمين والمتأخرين٢.
ثم اختلف هؤلاء في التشريط والفِصاد على ثلاثة أقوال، أحدها: أنه لا يُفْطِر بهما، والثاني: يفطر بهما، والثالث: يفطر بالتشريط دون الفصاد، لأن التشريط عندهم حجامة. واختلفوا في التشريط والفصاد: أيهما أولى بالفطر؟
والصواب: الفطر بالحجامة والفصاد والتشريط، وهو اختيار شيخنا أبي العباس ابن تيمية٣، واختيار صاحب «الإفصاح»، لأن المعنى الموجود في الحجامة موجود في الفِصاد طبعًا وشرعًا، وكذلك في التشريط، وقد بينّا أن الفطر بالحجامة هو مقتضى القياس، ولا فرق في ذلك بين الفصاد والتشريط؛ فبأيِّ وجهٍ أخرج الدم أفطر به، كما يفطر بالاستقاء بأي وجهٍ استَقاء: إما بإدخال يده في فيه، أو بشمّه ما يُقيئه، أو بوضع يده على بطنه وتَطامُنه، وغير ذلك؛ فالعبرة بخروج الدم عمدًا لا بكيفية الإخراج، كما استوى خروج الدم بذلك في إفساد الصلاة ونقض الطهارة عند القائلين به.
وبهذا يتبين توافقُ النصوص والقياس، وشهادة أصول الشرع وقواعده،
(١) . في «مختصره» (٤/ ٣٤٩ - مع المغني).
(٢) . انظر: «الإنصاف» (٧/ ٤١٩ - ٤٢٠).
(٣) . انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٢٥٦ - ٢٥٨)، و«الاختيارات» للبعلي (ص ١٦٠). وما سيأتي من كلام ابن القيم إلى آخر المسألة، فهو مأخوذ من كلام شيخه من الموضع المذكور بتصرف واختصار.