تهذيب السنن

الخرقي١، فإنه قال في المفطِّرات: «أو احتجم»، ولم يقل: أو حجم.

الثاني، وهو منصوص الإمام أحمد: أنه يُفطِر كل منهما، وهذا قول جمهور أصحابه المتقدمين والمتأخرين٢.

ثم اختلف هؤلاء في التشريط والفِصاد على ثلاثة أقوال، أحدها: أنه لا يُفْطِر بهما، والثاني: يفطر بهما، والثالث: يفطر بالتشريط دون الفصاد، لأن التشريط عندهم حجامة. واختلفوا في التشريط والفصاد: أيهما أولى بالفطر؟

والصواب: الفطر بالحجامة والفصاد والتشريط، وهو اختيار شيخنا أبي العباس ابن تيمية٣، واختيار صاحب «الإفصاح»، لأن المعنى الموجود في الحجامة موجود في الفِصاد طبعًا وشرعًا، وكذلك في التشريط، وقد بينّا أن الفطر بالحجامة هو مقتضى القياس، ولا فرق في ذلك بين الفصاد والتشريط؛ فبأيِّ وجهٍ أخرج الدم أفطر به، كما يفطر بالاستقاء بأي وجهٍ استَقاء: إما بإدخال يده في فيه، أو بشمّه ما يُقيئه، أو بوضع يده على بطنه وتَطامُنه، وغير ذلك؛ فالعبرة بخروج الدم عمدًا لا بكيفية الإخراج، كما استوى خروج الدم بذلك في إفساد الصلاة ونقض الطهارة عند القائلين به.

وبهذا يتبين توافقُ النصوص والقياس، وشهادة أصول الشرع وقواعده،

  1. (١) . في «مختصره» (٤/ ٣٤٩ - مع المغني).
  2. (٢) . انظر: «الإنصاف» (٧/ ٤١٩ - ٤٢٠).
  3. (٣) . انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٢٥٦ - ٢٥٨)، و«الاختيارات» للبعلي (ص ١٦٠). وما سيأتي من كلام ابن القيم إلى آخر المسألة، فهو مأخوذ من كلام شيخه من الموضع المذكور بتصرف واختصار.
62

وتصديقُ بعضها بعضًا.

فإن قيل: فهب أن هذا يتأتّى لكم في المحجوم، فما الموجِب لفطر الحاجم؟ قلنا: لمّا كان الحاجم يجتذب الهواء الذي في القارورة بامتصاصه، والهواء يجتذب ما فيها من الدم، فربما صعد مع الهواء شيء من الدم، ودخل في حلقه وهو لا يشعر، والحكمة إذا كانت خفيَّةً عُلِّق الحكم بمظِنَّتها، كما أن النائم لما كان قد يخرج منه الريح ولا يشعر بها عُلِّق الحكم بالمظنة، وهو النوم وإن لم يخرج منه ريح.

فإن قيل: فطرد هذا أن لا يُفْطِرَ الشارط. قلنا: نعم، ولا الحاجم الذي يشرط ولا يَمُصّ، أو يمصّه مفطر غيره، وليس في هذا مخالفة للنص، فإن كلام النبي ﷺ خرج على الحاجم المعتاد، وهو الذي يمصّ الدم، وكلامه إنما يعم المعتاد، فاستعمال اللفظ فيه فقَصْرُه١ على الحاجم المعتاد لا يكون تعطيلًا للنص، والله أعلم.

١٥ - باب الصائم يحتلم نهارًا في رمضان

٢٢٠/ ٢٢٧٢ - عن زيد بن أسلم عن رجل من أصحابه عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يُفْطِرُ من قاء، ولا مَن احتلم، ولا من احتجم»٢.٣

  1. (١) . كذا في الأصل، وفي ط. الفقي: «بقصره»، ولعل الصواب: «وقصره».
  2. (٢) . «سنن أبي داود» (٢٣٧٦) من طريق سفيان الثوري عن زيد بن أسلم به.
  3. (٣) . للمنذري تعليق على الحديث أشار إليه المجرّد ولكنه لم يصرّح أن المؤلف ساقه، ولذا لم نثبته، فإن ابن القيم قد ضمّنه في كلامه الآتي مع الزيادة والتحرير والترتيب والتهذيب. قارن بـ «المختصر» (٣/ ٢٥٨ - ٢٥٩).
63

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي