تهذيب السنن

إلى إبطال صومه إذا أصبح جنبًا واحتجوا بما في «صحيح مسلم»١ عن أبي هريرة أنه كان يقول في قصصه: «من أدركه الفجر جنبًا فلا يصوم». واختلفت الرواية عن أبي هريرة، فالمشهور عنه أنه لا يصح صومه.

وعنه رواية ثانية٢: أنه إن علم بجنابته ثم نام حتى يُصبح فهو مفطر، وإن لم يعلم حتى أصبح فهو صائم. وروي هذا المذهب عن طاوس وعروة بن الزبير٣.

وذهبت طائفة إلى أن الصوم إن كان فرضًا لم يصح، وإن كان نفلًا صح، وروي هذا عن إبراهيم النخعي والحسن البصري٤.

وعن أبي هريرة رواية ثالثة: أنه رجع عن فتياه إلى قول الجماعة٥.

وذهب الجمهور إلى صحة صومه مطلقًا في الفرض والنفل، وقالوا: حديث أبي هريرة منسوخ. واستشكل طائفة ثبوتَ النسخ، وقالت: شرط النسخ أن يعلم تأخُّره بنقلٍ، أو تُجمِعَ الأمةُ على ترك الخبر المعارض له فيعلم أنه منسوخ، وكلا الأمرين منتفٍ هاهنا، فمِن أين لكم أن خبر أبي هريرة متقدّم على خبر عائشة؟!

  1. (١) . (١١٠٩/ ٧٥).
  2. (٢) . أخرجها النسائي في «الكبرى» (٢٩٤٤). وانظر: «الإشراف» لابن المنذر (٣/ ١٣٦)، و«التمهيد» (١٧/ ٤٢٤).
  3. (٣) . أخرجه ابن أبي شيبة (٩٦٧٥) عن طاوس، وعبد الرزاق (٧٤٠٥) عن عروة.
  4. (٤) . أخرجه ابن أبي شيبة (٩٦٧٢) عنهما.
  5. (٥) . صحّ رجوعه عند مسلم (١١٠٩/ ٧٥)، وابن أبي شيبة (٩٦٦٨، ٩٦٧٤) من طرق عنه.
73

والجواب عن هذا: أنه لا يصح أن يكون آخر الأمرين من رسول الله ﷺ إبطالَ الصوم بذلك، لأن أزواجه أعلم الأمة بهذا الحكم، وقد أخبرْنَ بعد وفاته ﷺ أنه كان يُصبح جنبًا ثم يصوم. [ق ١٢٤] ولو كان هذا هو المتقدم لكان المعروفُ عند أزواجه مثلَ حديث أبي هريرة، ولم يحتجَّ أزواجه بفعله الذي كان يفعله ثم نُسِخ، ومُحال أن يخفى هذا عليهن، فإنه كان يَقْسِم لهن إلى أن مات في الصوم والفطر.

هذا مع أن الحديث في مسلم غير مرفوع، وإنما فيه: «كان أبو هريرة يقول في قصصه» حسب، وفي الحديث أن أبا هريرة لما حُوقِق على ذلك ردَّه إلى الفضل بن عباس، فقال: «سمعت ذلك من الفضل، ولم أسمعه من النبي ﷺ»، هذا الذي في مسلم١، وفي لفظ: «حدثني الفضل بن عباس»٢.

قال البخاري٣: وقال همام وابن عبد الله بن عمر عن أبي هريرة: «كان النبي ﷺ يأمر بالفطر»، والأول أسند.

ولكن رفعه صحيح، رواه سفيان عن عمرو عن٤ يحيى بن جَعْدة قال: سمعتُ عبد الله بن عمرٍو القاريَّ قال: سمعت أبا هريرة يقول: «لا، وربِّ هذا البيت ما أنا قلته: من أدركه الصبح وهو جنب فلا يصم، محمد ﷺ

  1. (١) . (١١٠٩/ ٧٥).
  2. (٢) . أخرجه البخاري (١٩٢٦).
  3. (٣) . عقب الحديث السابق. وانظر: «تغليق التعليق» (٣/ ١٤٧ - ١٤٨).
  4. (٤) . في الأصل وط. الفقي: «بن»، والتصحيح من مصادر الحديث، وعمرو هو ابن دينار.
74

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي