والجواب عن هذا: أنه لا يصح أن يكون آخر الأمرين من رسول الله ﷺ إبطالَ الصوم بذلك، لأن أزواجه أعلم الأمة بهذا الحكم، وقد أخبرْنَ بعد وفاته ﷺ أنه كان يُصبح جنبًا ثم يصوم. [ق ١٢٤] ولو كان هذا هو المتقدم لكان المعروفُ عند أزواجه مثلَ حديث أبي هريرة، ولم يحتجَّ أزواجه بفعله الذي كان يفعله ثم نُسِخ، ومُحال أن يخفى هذا عليهن، فإنه كان يَقْسِم لهن إلى أن مات في الصوم والفطر.
هذا مع أن الحديث في مسلم غير مرفوع، وإنما فيه: «كان أبو هريرة يقول في قصصه» حسب، وفي الحديث أن أبا هريرة لما حُوقِق على ذلك ردَّه إلى الفضل بن عباس، فقال: «سمعت ذلك من الفضل، ولم أسمعه من النبي ﷺ»، هذا الذي في مسلم١، وفي لفظ: «حدثني الفضل بن عباس»٢.
قال البخاري٣: وقال همام وابن عبد الله بن عمر عن أبي هريرة: «كان النبي ﷺ يأمر بالفطر»، والأول أسند.
ولكن رفعه صحيح، رواه سفيان عن عمرو عن٤ يحيى بن جَعْدة قال: سمعتُ عبد الله بن عمرٍو القاريَّ قال: سمعت أبا هريرة يقول: «لا، وربِّ هذا البيت ما أنا قلته: من أدركه الصبح وهو جنب فلا يصم، محمد ﷺ
(١) . (١١٠٩/ ٧٥).
(٢) . أخرجه البخاري (١٩٢٦).
(٣) . عقب الحديث السابق. وانظر: «تغليق التعليق» (٣/ ١٤٧ - ١٤٨).
(٤) . في الأصل وط. الفقي: «بن»، والتصحيح من مصادر الحديث، وعمرو هو ابن دينار.
قاله»١.
ومع هذا فقد روى النسائي٢ من حديث أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال: كنت مع عبد الرحمن عند مروان فذكروا أن أبا هريرة يقول: من احتلم وعلم باحتلامه ولم يغتسل حتى يصبح، فلا يصم ذلك اليوم، قال: اذهبْ فسَلْ أزواج النبي ﷺ عن ذلك. فذهب، وذهبت معه ــ فذكر الحديث ــ وقال: فأتيتُ مروان فأخبرتُه قولَهما ــ يعني أم سلمة وعائشة ــ فاشتد عليه اختلافهم تخوّفًا أن يكون أبو هريرة يُحدّث عن رسول الله ﷺ٣، فقال مروان لعبد الرحمن: عزمتُ عليك لمَّا أتيتَه فحدّثته: أعن رسول الله ﷺ تروي هذا؟ قال: لا، إنما حدّثني فلان وفلان.
ولا ريب أن أبا هريرة لم يسمع ذلك من النبي ﷺ، وقال مرة: «أخبرنيه الفضل بن عباس»، ومرة قال: «أخبرنيه أسامة بن زيد»٤، وفي رواية عنه: «أخبرنيه فلان وفلان»، وفي رواية: «أخبرني رجل»٥، وفي رواية: «أخبرنيه مخبر»٦، وفي رواية «هكذا كنت أحسب»٧.
(١) . أخرجه أحمد (٧٣٨٨)، والنسائي في «الكبرى» (٢٩٣٦)، وإسناده صحيح كما قال المؤلف.
(٢) . في «الكبرى» (٢٩٤٤).
(٣) . في الطبعتين: «النبي ﷺ» خلافًا للأصل.
(٤) . أخرجه النسائي في «الكبرى» (٢٩٤٣).
(٥) . لم أقف عليها.
(٦) . أخرجها مالك في «الموطأ» (٧٩٥)، والنسائي في «الكبرى» (٢٩٤٥، ٢٩٤٦).