ومع هذا فقد روى النسائي٢ من حديث أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال: كنت مع عبد الرحمن عند مروان فذكروا أن أبا هريرة يقول: من احتلم وعلم باحتلامه ولم يغتسل حتى يصبح، فلا يصم ذلك اليوم، قال: اذهبْ فسَلْ أزواج النبي ﷺ عن ذلك. فذهب، وذهبت معه ــ فذكر الحديث ــ وقال: فأتيتُ مروان فأخبرتُه قولَهما ــ يعني أم سلمة وعائشة ــ فاشتد عليه اختلافهم تخوّفًا أن يكون أبو هريرة يُحدّث عن رسول الله ﷺ٣، فقال مروان لعبد الرحمن: عزمتُ عليك لمَّا أتيتَه فحدّثته: أعن رسول الله ﷺ تروي هذا؟ قال: لا، إنما حدّثني فلان وفلان.
ولا ريب أن أبا هريرة لم يسمع ذلك من النبي ﷺ، وقال مرة: «أخبرنيه الفضل بن عباس»، ومرة قال: «أخبرنيه أسامة بن زيد»٤، وفي رواية عنه: «أخبرنيه فلان وفلان»، وفي رواية: «أخبرني رجل»٥، وفي رواية: «أخبرنيه مخبر»٦، وفي رواية «هكذا كنت أحسب»٧.
(١) . أخرجه أحمد (٧٣٨٨)، والنسائي في «الكبرى» (٢٩٣٦)، وإسناده صحيح كما قال المؤلف.
(٢) . في «الكبرى» (٢٩٤٤).
(٣) . في الطبعتين: «النبي ﷺ» خلافًا للأصل.
(٤) . أخرجه النسائي في «الكبرى» (٢٩٤٣).
(٥) . لم أقف عليها.
(٦) . أخرجها مالك في «الموطأ» (٧٩٥)، والنسائي في «الكبرى» (٢٩٤٥، ٢٩٤٦).
(٧) . أخرجها أحمد (٢٥٥٠٩)، والنسائي (٢٩٤٧).
قال المنذري١: قال الخطابي٢: وأحسن ما سمعت في تأويل ما رواه أبو هريرة في هذا أن يكون ذلك محمولًا على النسخ، وذلك أن الجماع كان في أول الإسلام محرَّمًا على الصائم في الليل بعد النوم كالطعام والشراب. فلما أباح الله الجماع إلى طلوع الفجر جاز للجنب إذا أصبح قبل أن يغتسل أن يصوم ذلك اليوم لارتفاع الحظر المتقدم، فيكون تأويل قوله: «من أصبح جنبًا فلا صومَ له» أي مَن جامع في الصوم بعد النوم فلا يجزئه صومُ غدِه، لأنه لا يصبح جنبًا إلا وله أن يطأ قبل الفجر بطرفة [عين]، فكان أبو هريرة يفتي بما سمعه من الفضل بن العباس على الأمر الأول ولم يعلم بالنسخ، فلما سمع خبر عائشة وأم سلمة [صار إليه.
وقال الشافعي٣: أخذنا بحديث عائشة وأم سلمة]٤ زوجَي النبي ﷺ دون ما روى أبو هريرة [عن رجل] عن رسول الله ﷺ لمعانٍ:
منها: أنهما زوجتاه، وزوجتاه أعلم بهذا من رجل إنما يعرفه سماعًا أو خبرًا.
ومنها: أن عائشة مقدَّمة في الحفظ، وأن أم سلمة حافظة، ورواية اثنين أكثر من واحد.
(١) . كلام المنذري أشار إليه المجرّد في حاشية الأصل بقوله: «ثم بعد أن كتب الشيخ هذا بخطّه، ذكره بعد [كذا، والصواب: ذكر بعده] كلام الحافظ المنذري، وهو مطوّل في حاشية المنذري، حكى فيه كلام الشافعي والخطابي». قلتُ: ليس في مطبوعة «المختصر» ما أشار إليه من كلام المنذري، وإنما هو في حاشية أصله الخطّي (ق ٢/ ١٧٢ - النسخة البريطانية)، فأثبتُّ منه ما حكاه من كلام الخطابي والشافعي، وما عداه فالمؤلف قد ضمّنه في ثنايا تعليقه.
(٢) . في «المعالم» (٣/ ٢٦٥ - ٢٦٧)، وما بين الحاصرتين منه.
(٣) . في «اختلاف الحديث» (١٠/ ١٨٧ - ١٨٩)، وما يأتي بين الحاصرتين فمنه.
(٤) . ما بين الحاصرتين سقط من مخطوطة «المختصر» لانتقال النظر.