تهذيب السنن

وتطيّب المرأة إذا خرجت للصلاة، ونحوه.

الثاني: أن عدم الافتتاح بالمفتاح يقتضي أنه لم يحصل له الدخول فيها، وأنه مصدود عنها، كالبيت المقفل على من أراد دخوله بغير مفتاح. وأما عدم القبول فمعناه: عدم الاعتداد بها، وأنه لم يُرَتَّب عليها أثرها المطلوب منها، بل هي مردودة عليه. وهذا قد يحصل لعدم ثوابه عليها، ورضا الربّ عنه بها، وإن كان لا يعاقبه عليها عقوبة تاركها جُمْلةً، بل عقوبته ترك ثوابه، وفوات الرضا لها بعد دخوله فيها، بخلاف من لم يَفْتتحها أصلًا بمفتاحها، فإن عقوبته عليها عقوبة تاركها. وهذا واضح.

فإن قيل: فهل في الحديث حجة لمن قال: إن عادم الطهورَين لا يصلي حتى يقدر على أحدهما؛ لأن صلاته غير مفتتحةٍ بمفتاحها، فلا تُقبل منه؟

قيل: قد استدلَّ به من يرى ذلك، ولا حجة فيه.

ولا بدَّ من تمهيد قاعدةٍ يتبين بها مقصود الحديث، وهي: أنّ ما أوجبه الله ورسوله، أو جعله شرطًا للعبادة، أو ركنًا فيها، أو وقَفَ صحّتَها عليه= هو مُقيَّد بحال القدرة؛ لأنها الحال التي يؤمر فيها به. وأما في حال العجز فغير مقدور ولا مأمور، فلا تتوقف صحة العبادة عليه. وهذا كوجوب القيام والقراءة والركوع والسجود عند القدرة، وسقوط ذلك بالعجز. وكاشتراط سَتْر العورة واستقبال القبلة عند القدرة، ويسقط بالعجز.

وقد قال ﷺ: "لا يقبلُ الله صلاةَ حائضٍ إلا بخمار"١. ولو تعذَّر عليها

  1. (١) أخرجه أبو داود (٦٤١)، والترمذي (٣٧٧)، وابن ماجه (٦٥٥)، وأحمد (٢٥١٦٧)، وابن خزيمة (٧٧٥)، وابن حبان (١٧١١) وغيرهم من حديث عائشة ﵂. قال الترمذي: "حديث حسن". وصححه الحاكم في "المستدرك": (١/ ٢٥١) على شرط مسلم، وصححه ابن حبان وابن خزيمة وابن الملقن في "البدر المنير": (٤/ ١٥٥). وأعله الدارقطني بالوقف، انظر "التلخيص الحبير": (١/ ٢٩٨)، و"نصب الراية": (١/ ٢٩٦).
21

الخمار صلَّتْ بدونه، وصحَّت صلاتُها.

وكذلك قوله: "لا يقبلُ الله صلاةَ أحدِكُم إذا أحْدَث حتى يتوضّأ"١ فإنه لو تعذَّر عليه الوضوء صلى بدونه، وكانت صلاته مقبولة.

وكذلك قوله ﷺ: "لا تُجزِئ صلاةٌ لا يقيمُ الرجلُ فيها صُلْبَه في الرّكوع والسجود"٢ فإنه لو كُسِر صُلبه وتعذَّر عليه إقامته أجزأته صلاته. ونظائره كثيرة. فكون٣ الطهور مفتاحًا للصلاة هو من هذا.

لكن هنا نظرٌ آخر، وهو أنه إذا لم يمكن اعتبار الطهور عند تعذُّره، فإنه يسقط وجوبه، فمن أين لكم أن الصلاة تُشرع بدونه في هذه الحال؟ وهذا حَرْف المسألة، وهلَّا قلتم: إن الصلاة بدونه كالصلاة مع الحيض غير مشروعة، لمَّا كان الطهور غير مقدور للمرأة، فلمَّا صار مقدورًا لها شُرعت لها الصلاة وترتَّبت في ذمتها، فما الفرق بين العاجز عن الطهور شرعًا والعاجز عنه حسًّا؟ فإنّ كلًّا منهما غير متمكِّن من الطهور؟

  1. (١) تقدم تخريجه.
  2. (٢) أخرجه أبو داود (٨٥٥)، والترمذي (٢٦٥)، والنسائي (١٠٢٧)، وابن ماجه (٨٧٠)، وأحمد (١٧٠٧٣)، وابن خزيمة (٦٦٦)، وابن حبان (١٨٩٢)، وغيرهم من حديث أبي مسعود الأنصاري ﵁. قال الترمذي: "حسن صحيح"، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والدارقطني في "السنن" (١٣١٥).
  3. (٣) رسمها في الأصل: "فيكون" والظاهر ما أثبتناه.
22

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي